في جلسةٍ هادئة مع أصدقاء العمر، كان الحديث – كعادته هذه الأيام – مثقلاً بما يحيط بنا من اضطرابٍ لا يكاد يهدأ ، قال أحدهم بهدوءٍ يحمل شيئاً من التعب: نحن في العقد السادس من العمر، لقد ولدنا والحروب دائرة، وكبرنا وهي تكبر معنا، حتى ظننا أن الهدوء استثناء لا أصل.
نحن جيلٌ لم يعرف السكينة إلا كاستراحةٍ قصيرة بين عاصفتين ، فتحنا أعيننا على نشرات الأخبار، وحفظنا أسماء المدن قبل أن نزورها، وعرفنا صوت الطائرات قبل أن نميّز تغريد الطيور ، كبرنا ونحن نردّد الأغاني الوطنية، لا لأنها كلمات تُغنّى، بل لأنها كانت تشبهنا… وتُشبه وجعنا الذي كبر فينا بصمت.
تعلمنا مبكراً أن الخريطة ليست مجرد حدود، بل حكايات ألمٍ وأمل، وأن الوطن ليس مكاناً فقط، بل شعورٌ لا يغادر القلب مهما ضاقت الأيام ، ولهذا لم تكن فلسطين بالنسبة لنا خبراً عابراً في نشرة، بل كانت وما زالت هويةً تسكننا ، عشقناها كما يُعشق الوطن، وحملناها كما تُحمل القيم ، لا نقاش فيها ولا مساومة. تمنّينا، وما زلنا، أن نرى الأقصى حراً… لا في عناوين الأخبار، بل في واقعٍ يليق بتاريخه وقدسيته.
نحن جيلٌ عرف معنى الانتظار ، انتظرنا خبراً يطمئن، وانتصاراً يداوي، وصباحاً أقل وجعاً ، جلسنا أمام الشاشات نترقب، وناقشنا السياسة ولو بصوتٍ خافت، لا لأننا عاجزون، بل لأننا كنا ندرك حجم ما يدور حولنا. تألمنا لكل بلدٍ عربي كأنه قطعةٌ منا، لأننا ببساطة كنا نرى أنفسنا في كل وجعٍ عربي.
ورغم ضيق العيش أحياناً، لم نتخلَّ عن حب أوطاننا، بل ازددنا تعلقاً بها ، آمنا أن الكرامة لا تُقاس بالرخاء وحده، وأن الأوطان تُبنى بالصبر كما تُحمى بالمواقف ، لم نكن جيلاً مثالياً، لكننا كنا صادقين في انتمائنا، ثابتين في مواقفنا، نحمل ما استطعنا من هذا العبء الثقيل دون أن نتخلى عن إنسانيتنا.
واليوم، ونحن نراقب جيلاً جديداً يكبر في ظروفٍ لا تقل قسوة، ندرك أن الحكاية لم تنتهِ بعد، وأن ما حملناه بالأمس، نحمله اليوم ونورثه كقضيةٍ لا تموت ، قد تتغير الوسائل، وقد تختلف اللغة، لكن الجوهر يبقى واحداً: كرامة أمة، وهوية لا تُساوَم.
نحن جيلٌ لم يفقد الأمل… ربما أتعبته السنين، لكن لم تُطفئ فيه الحلم ، ما زلنا نؤمن أن هذه الأمة مهما طال ليلها، قادرة أن تستعيد فجرها، وأن مشروعاً عربياً جامعاً ليس حلماً مستحيلاً، بل وعدٌ مؤجل… ينتظر من يكتبه بالفعل، لا بالكلام.

