في زمن أصبحت فيه وسائل الإعلام العالمية لاعباً رئيسياً في تشكيل الرأي العام، تتكون لدى كثير من الشعوب صور ذهنية عن الدول والمجتمعات بناءً على ما يُبث عبر الشاشات والمنصات الرقمية ، ومن المؤسف أن المتابع للإعلام الدولي عندما يتعلق الأمر بالعالم العربي والإسلامي، يكاد يخرج بانطباع مفاده أن هذه المنطقة لا تعرف سوى الحروب والصراعات والقتل والدمار، وكأن ملايين البشر الذين يعيشون فيها لا يملكون قصصاً أخرى عن الحياة والتعايش والإنسانية.
هذه الصورة المجتزأة لا تعكس الحقيقة كاملة، بل تتجاهل جانباً واسعاً من الواقع الذي يعيشه أبناء المنطقة ، فالكثير من الأجانب الذين قدموا إلى الدول العربية للعمل أو التجارة أو الدراسة، فوجئوا بحجم الترابط الاجتماعي والتكافل الإنساني الذي يميز مجتمعاتنا ، لقد اكتشفوا أن ما يراه العالم عبر الشاشات يختلف كثيراً عما يجدونه على الأرض من كرم الضيافة، وقوة العلاقات الأسرية، وروح التضامن التي تظهر بوضوح في أوقات الشدة قبل الرخاء.
ورغم التحديات الاقتصادية التي تواجه العديد من الدول العربية، وما تعرضت له بعض البلدان من حروب وأزمات وتدخلات خارجية وصراعات أثرت على التنمية والاستقرار، فإن المجتمعات العربية ما زالت تحتفظ بقيمها الأصيلة التي تجعل الإنسان محوراً للعلاقة الاجتماعية ، هذه القيم ليست مجرد شعارات بل ممارسات يومية يلمسها الزائر قبل المقيم.
وفي المقابل فإن الصورة الوردية التي تُرسم أحياناً لبعض الدول المتقدمة بوصفها النموذج المثالي للأمن والاستقرار لا تخلو من المبالغة ، فالكثير ممن عاشوا أو زاروا بعض تلك الدول يدركون أن التقدم الاقتصادي والتكنولوجي لا يعني بالضرورة غياب المشكلات الاجتماعية أو الجرائم أو مشاعر الخوف التي قد ترافق الحياة اليومية في بعض المدن الكبرى.
وأذكر من تجربة شخصية خلال زيارة للولايات المتحدة الأمريكية عام 1994 للمشاركة في دورة تقنية متخصصة في الاتصالات وتقنية المعلومات، أن من أولى النصائح التي تلقاها المشاركون، وخاصة الأجانب، كانت تجنب الخروج ليلاً إلا عند الضرورة، والامتثال لأي طلب قد يصدر من معتدٍ أو سارق حفاظاً على السلامة الشخصية ، وكانت مثل هذه التحذيرات أمراً اعتيادياً في بعض المناطق آنذاك، وهو ما يعكس أن الأمن ليس حكراً على دولة دون أخرى، وأن لكل مجتمع تحدياته الخاصة.
وعندما نتحدث عن الأردن، فإننا نتحدث عن نموذج يلفت انتباه الكثير من الزوار والمقيمين ، فكم من أجنبي عبّر عن دهشته من قدرته على الخروج في ساعات متأخرة من الليل لتناول وجبة عشاء أو قضاء حاجة شخصية دون أن يشعر بالخوف أو التهديد. هذه الميزة ليست أمراً عابراً، بل ثمرة منظومة من القيم المجتمعية الراسخة، وجهود مؤسسات الدولة، ووعي المواطنين بأهمية الحفاظ على الأمن والاستقرار.
إن العالم العربي والإسلامي لا يحتاج إلى تزييف الحقائق أو تجميل الواقع، بل يحتاج إلى عدالة في عرض الصورة، وإلى إعلام ينقل الإنجازات كما ينقل الأزمات، ويُظهر الحضارة كما يُظهر التحديات ، فهذه المنطقة لم تُسهم في صناعة التاريخ فحسب، بل ما زالت تمتلك إرثاً حضارياً وإنسانياً يمتد لمئات السنين، وتزخر بقصص نجاح وتجارب ملهمة تستحق أن تُروى.
ويبقى السؤال المشروع: هل يأتي اليوم الذي ينظر فيه العالم إلى منطقتنا بعين أكثر إنصافاً، فيرى الإنسان العربي كما هو، ويمنح حضارتنا وتاريخنا ومجتمعاتنا حقها بعيداً عن الأحكام المسبقة والصور النمطية؟ ذلك ليس مطلباً سياسياً فحسب، بل استحقاق أخلاقي وإنساني يفرضه احترام الحقيقة والموضوعية.
فالأوطان لا تُقاس فقط بما تعانيه من أزمات، بل بما تملكه من قيم، وما تحمله شعوبها من إرث حضاري، وما تقدمه للإنسانية من معاني الأمن والتكافل والكرامة.


