في كل عام تُنفق مليارات الدولارات على الأعمال الدرامية والسينمائية التي تسعى إلى تجسيد الواقع ونقل تفاصيله للناس. تُبنى المدن الوهمية، وتُصمَّم الديكورات بعناية فائقة، وتُحاكى أدق تفاصيل الحياة حتى يبدو المشهد حقيقياً إلى أبعد الحدود ، ويُسخَّر لذلك جيش من الكتّاب والمخرجين والفنيين، وتُرصد له ميزانيات ضخمة قد تفوق ميزانيات مشاريع تنموية كاملة.
لكن السؤال الذي يفرض نفسه: ماذا لو وُجِّه جزء من هذه الأموال إلى الواقع نفسه بدلاً من تمثيله؟
كم مدرسة كان يمكن أن تُبنى؟ وكم مستشفى كان يمكن أن يُجهَّز؟ وكم فرصة عمل كان يمكن أن تُوفَّر؟ وكم أسرة كان يمكن أن تنتقل من دائرة الحاجة إلى دائرة الإنتاج والعطاء؟
المفارقة أن كثيراً من الأعمال الفنية تنجح في إقناع المشاهد بحقيقة المشهد لساعات، لكنها لا تستطيع تغيير حقيقة المعاناة التي يعيشها البعض لسنوات. فالدراما قد تنقل صورة الفقر، لكن التنمية هي التي تحاربه ، وقد تُجسد الألم ببراعة، لكن الحلول الحقيقية وحدها هي التي تخففه.
لا أحد ينكر أهمية الفن والإبداع ودورهما في تشكيل الوعي ونقل الرسائل الإنسانية، لكن المجتمعات لا تنهض بالمشاهد المؤثرة وحدها، بل بالمشاريع المؤثرة أيضاً ، فالواقع يحتاج إلى من يستثمر في إصلاحه بقدر ما يستثمر الآخرون في تصويره.
إن أعظم قصة نجاح ليست تلك التي تُكتب على صفحات السيناريو، بل تلك التي تُكتب في حياة الناس ، وأجمل مشهد ليس ما نراه على الشاشات، بل ما نراه في مدرسة جديدة، أو مستشفى متطور، أو شاب وجد فرصة عمل تحفظ كرامته ومستقبله.
فالمليارات التي تُصرف لتمثيل الواقع قد تصنع مشهداً مبهراً، أما المليارات التي تُصرف على الواقع نفسه فهي تصنع وطناً أقوى، وإنساناً أسعد، ومستقبلاً أجمل.


