لا تعش على الهامش منتظراً ما يحدث، فالأوطان لا تصنعها الأقدار وحدها، بل تصنعها سواعد أبنائها وإرادتهم ، كن أنت من يُحدث الفرق، واترك لك بصمة تُروى، لأن التاريخ لا يتوقف عند أسماء المتقاعسين، ولا يمنح مساحة للمتفرجين ، في كل مرحلة مفصلية، هناك من يختار الوقوف بعيداً، وهناك من يختار أن يكون جزءاً من الحكاية… والفرق بين الاثنين هو ما يصنع مستقبل الأوطان.
الوطن اليوم بحاجة إلى الجميع، دون استثناء أو تصنيف ، بحاجة إلى أبناءٍ وبناتٍ يؤمنون أن الانتماء ليس شعاراً يُرفع، بل مسؤولية تُحمل، وعملٌ يُنجز، ومواقف تُسجَّل ، بحاجة إلى من يزرع الأمل في النفوس، ويصون وحدته، ويحمي نسيجه الاجتماعي من كل محاولات العبث التي تتسلل عبر الكلمات قبل الأفعال.
في زمنٍ اختلط فيه الصوت الصادق بضجيج المنصات، وارتفعت فيه نبرة التشكيك والانقسام، بات لزاماً علينا أن نُعيد ترتيب الأولويات ، ليس من المنطق أن يُقاس حب الوطن بمنبتٍ أو أصل، ولا أن تتحول الجذور إلى خطوط فاصلة بين أبناء البيت الواحد ، فالأردن لم يكن يوماً إلا خيمةً تتسع للجميع، ولم تكن هويته إلا نسيجاً متماسكاً من التنوع الذي زاده قوة لا ضعفاً.
فلماذا نسمح للأصوات النشاز أن تعلو؟ ولماذا نُسلّم عقولنا لمن يغذّي الفرقة ويستثمر في الانقسام؟ إن التنازع لا يبني وطناً، والتناحر لا يحفظ كرامة، وكل خطابٍ يُقسّم الناس هو خطوة إلى الوراء مهما بدا مُزيّناً بالكلمات.
كلنا أردنيون في الانتماء، نشامى بالفعل قبل القول، نُعرف بفزعتنا قبل شعاراتنا، وبوقوفنا مع وطننا في الشدائد قبل الرخاء. هذه هي الهوية الحقيقية التي لا تحتاج إلى إثبات، ولا تقبل التشكيك.
فلنكن كما أراد لنا هذا الوطن… صفاً واحداً لا تفرقه الشائعات، وقلباً واحداً لا تعبث به الفتن، وصوتاً واحداً يعلو بالحكمة لا بالصخب ، ولندرك أن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الخلاف، بل من يُحاول تأجيجه وتحويله إلى شرخ دائم.
الأردن أكبر من كل خلاف، وأسمى من كل انقسام ، سيبقى بإذن الله وطناً يجمعنا لا يفرقنا، يحميه وعي أبنائه قبل حدوده، وتصونه وحدتهم قبل أي شيء آخر ، أما نحن فإما أن نكون على قدر المسؤولية… أو نُترك على هامش قصةٍ لن تذكرنا .