خاص
في مشهدٍ لا يشبه الانتخابات بقدر ما يشبه توزيع المقاعد مسبقًا، بدت انتخابات اتحاد الطلبة في "أمّ الجامعات" بعيدة كل البعد عن جوهر الممارسة الديمقراطية التي يُفترض أن تُجسّدها المؤسسات الأكاديمية.
فحين تُحسم غالبية المقاعد بالتزكية، وتغيب المنافسة عن معظم الكليات، يصبح الحديث عن "عرس ديمقراطي" أقرب إلى توصيفٍ إنشائي لا يعكس حقيقة ما جرى على ارض الواقع.
الديمقراطية لا تُقاس بعدد البيانات الرسمية ولا بعبارات الإشادة الجاهزة، بل تُقاس بوجود التنافس، وحرية الاختيار، وصندوق اقتراع ينتظر قرار الطلبة لا نتائج محسومة سلفًا.
أما حين تغيب المنافسة عن المشهد بالكامل، وتتحول الانتخابات إلى إجراءات شكلية، فإن السؤال المشروع يصبح: أين الديمقراطية أصلًا؟
ما حدث يثير القلق أكثر من كونه يثير الجدل، لأن الجامعة التي لطالما قُدّمت كنموذج وطني في الوعي والتعليم والحياة السياسية الطلابية، يفترض أن تكون الحاضنة الأولى للتعددية والحوار والتنافس الحر، لا أن تتحول انتخاباتها إلى مشهد باهت خالٍ من روح العمل الطلابي الحقيقي.
اللافت أن المنافسة الوحيدة التي شهدتها إحدى الكليات بدت وكأنها الاستثناء الذي يؤكد القاعدة، فيما مرّت بقية المقاعد مرور "التعيين المقنّع"، الأمر الذي أفرغ العملية الانتخابية من مضمونها، وحوّلها إلى مشهد إداري أكثر منه استحقاقًا ديمقراطيًا.
الجامعات لا تُبنى فقط بالمباني والأنظمة، بل بثقافة المشاركة والتعددية وصناعة الشخصية الطلابية القادرة على خوض الحوار والاختلاف والانتخاب.
وحين تُقتل المنافسة بهذه الطريقة، فإن الخاسر الحقيقي ليس مرشحًا أو قائمة، بل فكرة الديمقراطية ذاتها.
والمؤلم أكثر، أن يحدث ذلك في مؤسسة يُفترض أنها تخرّج قيادات المستقبل، بينما بدا المشهد وكأنه يرسل رسالة معاكسة تمامًا: لا تنافس، لا مواجهة، ولا حتى فرصة حقيقية للاختيار
ولم يتوقف الجدل عند غياب التنافس الحقيقي، بل امتدّ إلى ما رافق المشهد من توترات ومشاجرات بين عدد من الطلبة، في صورة لا تليق بتاريخ الجامعة ومكانتها الأكاديمية، وتطرح تساؤلات حول طبيعة الأجواء التي أُديرت بها العملية الانتخابية. ورغم حساسية ما حدث وتداوله بين الطلبة وعلى نطاق واسع، التزمت إدارة الجامعة الصمت الكامل، دون إصدار أي توضيح أو بيان رسمي يشرح الملابسات أو يعلّق على ما جرى، كما تجاهلت الرد على الاستفسارات الصحفية المتعلقة بالحادثة، الأمر الذي زاد من حالة الاستغراب والاستياء.
وفي مؤشر لا يمكن تجاهله، جاءت نسبة الاقتراع هذا العام محرجة مقارنة بالدورة السابقة، بعدما هبطت من 52% إلى 44%، وهو تراجع يعكس بوضوح حالة الفتور وفقدان الحماس لدى شريحة واسعة من الطلبة تجاه انتخابات بدت نتائجها محسومة سلفًا، في ظل غياب المنافسة الحقيقية وتراجع الثقة بجدوى المشاركة