في زمنٍ أصبحت فيه القمم تُقاس بالمناصب، والأرقام، والمظاهر، ينسى كثيرون أن هناك قمماً أعظم شأناً وأبقى أثراً، قمماً لا تُرى بالعين ولكن تُدركها الأرواح، ولا يصعد إليها الإنسان بخطواته بل بأخلاقه ومبادئه.
هناك قمم كثيرة تستحق أن نرهق أرواحنا في سبيل الوصول إليها، لا لأنها تمنحنا تصفيق الناس، بل لأنها تمنحنا سلام النفس ورضا الضمير. قمة الأخلاق حين تسمو فوق الإساءة وتردّ بالحكمة، قمة الوفاء حين تبقى ثابتاً في زمن التبدّل، قمة التقوى حين تجعل مراقبة الله ميزانك في السر قبل العلن، وقمة الكرم حين تعطي دون انتظار مقابل.
وهناك قمم لا يصل إليها إلا أصحاب النفوس النبيلة ، قمة العفاف والعفة التي تحفظ للإنسان كرامته ونقاءه، قمة النزاهة التي تجعل اليد نظيفة والضمير مطمئناً، وقمة الخوف من الله التي تمنح القلب اتزاناً وسط فوضى المغريات، وقمة الورع عن محارم الله حين يختار الإنسان الابتعاد عمّا لا يرضي الله، لا خوفاً من الناس بل احتراماً لعهدٍ بينه وبين خالقه.
وحين ترتقي إلى هذه القمم، لا تُكثر الالتفات إلى الأسفل، ولا تُشغل قلبك بمن يحاول جرّك إلى القاع ، فكل طريق نحو الارتقاء الحقيقي لا يخلو من عثرات، ولا من أصواتٍ تقلّل أو تُحبط أو تحاول إسقاطك ، لكن القمم الأخلاقية تختلف عن غيرها من يصل إليها بثبات القيم لا تسقطه مؤامرات البشر، لأن من يستند إلى المبدأ لا تهزّه العواصف.
لا تخشَ سكاكين الظلام أو سهام الحسد والخذلان، فصاحب القيم الرفيعة قد يتعب، وقد يُساء فهمه، لكنه لا يسقط لأن سقوط الجسد أهون من سقوط المبادئ، ولأن الإنسان حين يحرسه ضميره وتقواه، يبقى واقفاً وإن تعثرت الطرق.
ارتقِ إلى تلك القمم… فهناك أماكن لا يليق بالروح أن تسكن دونها، وهناك رفعة لا يمنحها البشر ولا تنتزعها الأيام.