العالم اليوم لا يسير بخطى واثقة، بل يتعثر بين أزمات متلاحقة حتى أصبح الحليم حيراناً، لا يعرف إلى أي اتجاه تميل الكفة، ولا ماذا قد تحمله شمس الغد ، لم يعد التنبؤ ترفاً فكرياً، بل مقامرة خاسرة في زمن تتبدل فيه المعادلات قبل أن تكتمل.
في مشهد دولي يزداد تعقيداً، يبدو التعنت الإيراني والغطرسة الأمريكية كوجهين لصراع يثقل كاهل العالم بأسره ، ليس لأنهما وحدهما يصنعان الحدث، بل لأن ارتداداتهما تصل إلى كل بيت، وتنعكس على تفاصيل الحياة اليومية للناس البسطاء قبل صناع القرار ، أصبح الحديث السياسي مادة يومية، تتسلل إلى المجالس والمقاهي وحتى المتاجر، حيث لم تعد تسمع عن الأسعار فحسب، بل عن مضيق هرمز، وكأن الجغرافيا تحولت إلى فاتورة تُدفع عند كل عملية شراء.
أما المشهد الإعلامي، فقد اختُزل في كثيرمن الأحيان في تغريدات وتصريحات، يتابعها العالم بشيء من السخرية التي تخفي وجعاً عميقاً ، سخرية لم تعد للترفيه، بل كوسيلة دفاع أمام واقع يزداد ثقلاً، حيث يختلط الجِد بالهزل، وتصبح النكتة تعليقاً على أزمة حقيقية لا تجد طريقها إلى الحل.
كنا نسمع قديماً أن العالم "مجنون” حين تعصف به الأزمات، لكن الفارق اليوم أننا لا نسمع عن هذا الجنون… بل نعيشه بكل تفاصيله ، عالم تتراجع فيه لغة العقل، ويُنظر إلى التوازن وكأنه ضعف، وإلى الحكمة وكأنها ترف لا يليق بزمن الصراعات ، في هذا العالم، قد يبدو العاقل غريباً، بل منبوذاً أحياناً، لأن الضجيج أعلى من صوت المنطق.
هو عالم يعشق اللون الأحمر، لا في مناسبات الحب، بل في مشاهد الدم التي لا تنقطع، حيث تُختزل حياة الأبرياء إلى أرقام في نشرات الأخبار، وتتحول المآسي إلى عناوين عابرة ، وبين هذا وذاك، يقف الإنسان البسيط متسائلاً: إلى أين يمضي هذا العالم؟
ورغم كل هذا، يبقى الأمل – وإن كان خافتاً – ضرورة لا خياراً. فالعالم الذي أنهكته الصراعات، لا يمكن أن يستعيد توازنه إلا حين تعود له بوصلة العقل، ويُدرك الجميع أن كلفة الجنون أكبر بكثير من ثمن الحكمة.


