في عالمٍ تتسارع فيه المعلومة لتسبق القرار، لم تعد كلمات القادة مجرد آراء تُقال، بل إشارات تُقرأ بعين القلق في عواصم المال والسياسة. ومع بروز منصة "تروث سوشيال” كمنبرٍ خاص للرئيس الأميركي دونالد ترامب، تتجلى معادلة جديدة في الفضاء الرقمي: سلطة تملك المنصة… وتكتب بلا وسيط.
هنا، لا تمرّ الكلمات عبر غرف تحرير، ولا تخضع لمعايير النشر المتعارف عليها ، تُكتب كما هي، وتُبث كما وُلدت—حادة أحيانًا، آنية في كثير من الأحيان، ومشحونة بردود فعل قد لا تنتظر حسابات الأثر ، لكن خطورة المشهد لا تكمن في طبيعة الكلمات فحسب، بل في موقع قائلها ، فحين يتحدث رئيس دولة بحجم الولايات المتحدة، تتحول العبارة إلى عامل مؤثر في أسواق الطاقة، ومؤشر يُربك البورصات، وإشارة تُقلق التوازنات الدولية.
في زمن "تويتر” (إكس حاليًا)، كان هناك—ولو بالحد الأدنى—سقفٌ يضبط الإيقاع، وقد بلغ الأمر حد تعليق الحساب ، ذلك السقف، رغم الجدل حوله، مثّل نوعًا من الكوابح التي تُبطئ اندفاع الكلمة قبل أن تتحول إلى موجة تأثير ، أما اليوم، ومع منصة مملوكة وتدار من ذات الدائرة، فقد تلاشت تلك المسافة بين الفكرة والنشر، وبين الانفعال وارتداداته العالمية.
السؤال الأعمق لا يتعلق بشخصٍ أو منصة بعينها، بل بنموذجٍ يتشكل: ماذا لو أصبح لكل صاحب نفوذ عالمي منصته الخاصة، يعبّر فيها بلا ضوابط ولا مساءلة؟ وأي عالمٍ سنكون أمامه حين تتحول المنصات إلى امتدادات مباشرة للسلطة، لا تخضع إلا لإرادة أصحابها؟
إن "تروث سوشيال” تتجاوز كونها تجربة إعلامية، لتكشف عن إشكالية أوسع في النظام الرقمي العالمي، حيث تبدو المعايير انتقائية، والضوابط قابلة للتكيّف وفق موازين القوة ، وفي ظل هذا المشهد، يصبح التساؤل مشروعًا: هل ما زال الفضاء الرقمي مساحة للتعبير المتوازن، أم أنه يتجه ليكون ساحة نفوذ مفتوحة بلا حواجز؟
قد لا تختصر منصة واحدة حالة العالم، لكن المؤكد أن غياب المعايير يفتح الباب أمام فوضى ناعمة، يصعب احتواؤها ، وربما في عالمٍ أكثر اتزانًا، لا تُترك الكلمة—خصوصًا حين تصدر عن أصحاب القرار—دون مسؤولية توازي حجم أثرها، ودون ضوابط تحمي استقرار عالمٍ بات هشًا أمام تغريدة.


