في كل مرة يلوح فيها خبر عن استدعاء خبراء من الخارج لمعالجة ملف وطني أو صياغة تشريع مصيري، يعود إلى الواجهة ذلك المثل الشعبي الصادق: "زمار الحي لا يُطرب”. وكأن هذه القاعدة أصبحت نهجاً غير معلن، يُقصي الكفاءات المحلية ويُضفي هالة مبالغاً فيها على كل ما هو مستورد، حتى لو كان أقل كفاءة وخبرة.
مؤخراً، لفت الانتباه الحديث عن الاستعانة بخبراء من الخارج لإجراء تعديلات على قانون الضمان الاجتماعي، وهو ملف بالغ الحساسية يمس حياة كل مواطن أردني. هذا المشهد ليس جديداً، بل يتكرر في قطاعات متعددة، وكأن الأردن – بما يزخر به من عقول وخبرات – بات عاجزاً عن إنتاج الحلول من داخله.
تجربة شخصية تعود بي إلى سنوات العمل في القطاع العام، حين كنت مديراً عاماً لمركز تكنولوجيا المعلومات. يومها، تم استقدام "خبراء” من إحدى الدول الخليجية لنقل تجربتهم في الحكومة الإلكترونية ، المفارقة التي لا تخلو من مرارة أن تلك الدولة لم تكن ضمن الدول المتقدمة في هذا المجال عندما كانت الأردن تتقدم عليها في التصنيفات العالمية ، والأدهى أن بعض هؤلاء "الخبراء” كانوا أردنيين يعملون هناك، يعودون إلينا بصفة استشارية بعد أن تم استبعادهم من ان يشغلو اي منصب ضمن مجال اختصاصهم .
السؤال الذي يفرض نفسه: لماذا يُهمَّش الخبير الأردني في وطنه؟ ولماذا يُحتفى بالغريب وكأنه المنقذ الذي لا يُشق له غبار؟
الإجابة، في كثير من الأحيان، لا تتعلق بندرة الكفاءات، بل بغياب أصحاب الاختصاص عن مواقع القرار ، حين يتصدر المشهد من لا يمتلك الخلفية الفنية أو العلمية الكافية، يصبح اللجوء إلى الخارج غطاءً جاهزاً لتعويض النقص، وتفادياً للاحتكاك مع خبراء محليين قد يكشفون مواطن الضعف.
المشكلة لا تقف عند حدود الاستعانة بخبرات خارجية – فذلك أمر مشروع في سياقات معينة – لكنها تتحول إلى خلل بنيوي حين تصبح بديلاً دائماً عن الاستثمار في العقول الوطنية ، الأخطر من ذلك أنها ترسل رسالة سلبية إلى الشباب الأردني: أن الاجتهاد والتفوق لا يكفيان، وأن التقدير الحقيقي قد لا يأتي إلا من خارج الحدود.
ليس من المنطق أن تُدار قطاعات حيوية، كالتكنولوجيا أو الاقتصاد أو التشريع، بعقلية بعيدة عن جوهر التخصص ، فالإدارة ليست مجرد لقب، بل فهم عميق، وقدرة على اتخاذ القرار المبني على المعرفة ، ولا يكفي أن يكون المرء إدارياً في شركة ما ليُصبح مؤهلاً لقيادة قطاع كامل بحجم وطن.
الأردن لا يعاني من نقص في الكفاءات، بل من سوء توظيفها. لدينا خبراء في مختلف المجالات، يثبتون تفوقهم في كل مكان يذهبون إليه ، فلماذا لا نمنحهم الفرصة ليقودوا من الداخل؟ ولماذا نصرّ على دفعهم نحو الهجرة، ثم نبحث عن بدائل أقل كلفة وأكثر بريقاً إعلامياً؟
إن إعادة الاعتبار للخبير الأردني ليست ترفاً، بل ضرورة وطنية ، تبدأ من وضع الشخص المناسب في المكان المناسب، مروراً بإشراك الكفاءات المحلية في صنع القرار، وصولاً إلى بناء ثقة حقيقية بأن هذا الوطن قادر بأبنائه.
رحم الله وطناً يُقصي أبناءه، ثم يبحث عن ذاته في عيون الآخرين.
المهندس عبدالحميد الرحامنة.
