لم تكن الدبلوماسية يومًا مجرد كلمات تُقال في المحافل الدولية، بل كانت فنًا متكاملًا ، يبدأ بطريقة الجلوس، ويمر بنبرة الصوت، ويتجلى في اختيار المفردات، وينتهي عند فهم عميق لطبيعة الجمهور المخاطَب ، لعقود طويلة، كانت هذه القواعد غير المكتوبة هي ما يحكم العلاقات بين الدول، ويمنح السياسة شيئًا من الرصانة، حتى في أشد لحظات الخلاف.
لكن ما نشهده اليوم يطرح تساؤلات حقيقية: ماذا يحدث عندما تهبط اللغة من منصات الحكم إلى مستوى الخطاب الفج؟ ماذا يعني أن تصدر كلمات تفتقر لأبسط قواعد اللياقة من أعلى الهرم السياسي في دولة يُفترض أنها تقود العالم؟
ليست القضية في اختلاف المواقف السياسية، فهذا أمر طبيعي، بل في الأسلوب الذي يُدار به هذا الاختلاف ، فحين تتحول الخطابات إلى استعراض للقوة اللفظية، وتُستبدل الحكمة بالغطرسة، فإن الخسارة لا تكون لصورة شخص بعينه، بل لصورة الدولة التي يمثلها، ولمنظومة القيم التي طالما تباهت بها.
لقد عرف كثيرون الشعب الأمريكي عن قرب—في الجامعات، وفي ميادين العمل، وفي الحوارات الفكرية—ووجدوا فيه تنوعًا وعمقًا وقدرة على النقاش واحترام الاختلاف ، لذلك يبدو التناقض صارخًا حين لا تعكس بعض القيادات هذه الصورة، بل تقدم نموذجًا يبتعد عن الاتزان ويقترب من الانفعال.
الدول الكبرى لا تُقاس فقط بقوتها العسكرية أو الاقتصادية، بل أيضًا بقدرتها على ضبط خطابها، وعلى تقديم نموذج قيادي يُحتذى به في الحكمة والمسؤولية ، فالكلمة في السياسة ليست تفصيلًا عابرًا، بل أداة قد تشعل نزاعًا أو تطفئه.
العالم اليوم، بما فيه منطقتنا المثقلة بالأزمات، لا يحتاج إلى مزيد من التصعيد اللفظي ولا إلى سياسات تغذي الصراع، بل إلى خطاب يعيد الاعتبار لفكرة التوازن، ويمنح الشعوب أملًا بأن القوة يمكن أن تُمارس بعقل، لا بغطرسة.
فالدبلوماسية، في جوهرها، ليست ضعفًا كما يظن البعض، بل هي أعلى درجات القوة حين تُمارس بوعي.
المهندس عبدالحميد الرحامنة.

