ليس عيبًا أن نخطئ، فالخطأ جزء من طبيعتنا البشرية، لكن العيب كل العيب أن نُصرّ على الخطأ وكأنه انتصار شخصي يجب الدفاع عنه حتى النهاية. مقولة "عنزة ولو طارت” لم تأتِ من فراغ؛ إنها تختصر عقلية ترفض الاعتراف، وتستبدل المراجعة بالمكابرة، والتصحيح بالتبرير.
في بلادي، يُراد لنا أن نصدق أن المسؤول لا يخطئ، وأن قراراته دائمًا صائبة، حتى لو أثقلت كاهل الناس أو مست قوت يومهم. وكأن الاعتراف بالخطأ انتقاص من الهيبة، مع أن الحقيقة عكس ذلك تمامًا؛ فالاعتراف فضيلة، ومن شيم الكبار، ودليل ثقة لا ضعف. لسنا أنبياء ولا أصحاب رسالات سماوية، نحن بشر، أبناء تسعة أشهر أو أقل، نصيب ونخطئ، ومن لا يخطئ لا يعمل.
المشكلة لا تكمن في القرار فحسب، بل في الطابور الذي يتكفل بتلميعه. أولئك الذين لا همّ لهم إلا الاصطياد في المياه الآسنة، يزيّنون الخطأ، ويحوّلون العثرات إلى "إنجازات”، ويصوّرون الاعتراض الشعبي على أنه سوء فهم أو قلة وعي. وكأن المواطن آخر من يحق له تقييم ما يمس حياته ومعيشته.
خذوا مثال ما يُسمّى "تحسينات” على أنظمة الضمان الاجتماعي. أصحاب القرار يرونها إصلاحًا، بينما شريحة واسعة من المواطنين تراها عبئًا إضافيًا وقلقًا مشروعًا على مستقبلهم وأمانهم الوظيفي. أليس من حق الناس أن تُسمَع؟ أليس من الحكمة أن يُعاد النظر حين تتسع دائرة الاعتراض؟
يقول المثل: "إذا حدا قال لك وين راسك… أتحسسه.” المراجعة ليست إدانة، بل ضرورة. والإصرار على موقف لمجرد الحفاظ على صورة أو مكابرة سياسية لا يخدم الدولة ولا يعزز الثقة بين المسؤول والمواطن .
الدول القوية لا تُبنى بقرارات لا تُمس، بل بمؤسسات تراجع، وتصحح، وتستمع. الهيبة الحقيقية ليست في العناد، بل في الشجاعة الأدبية. فبلاش "عنزة ولو طارت”… ولنجعل من تصويب المسار ثقافة، لا استثناء.






