تاريخ هذا اليوم أعادني ثماني سنوات إلى الوراء، إلى جلسة عُقدت في مثل هذا الوقت من عام 2018، ناقشنا فيها الحكومة الإلكترونية ومستقبلها، بتنظيم من وزارة الاقتصاد الرقمي، وبناءً على طلب من رئاسة الوزراء، بعد لقاء سابق جمعنا في رئاسة الوزراء مع نائب الرئيس آنذاك.
ثماني سنوات مضت، وما زالت الأسئلة ذاتها تُطرح، والوعود ذاتها تُعاد، والنتائج… أقل بكثير مما كنا نأمل.
في تلك المرحلة، كنا متفائلين. كنا نؤمن أن الأردن قادر على إحداث نقلة نوعية حقيقية في مسار التحول الرقمي، نقلة يلمسها المواطن في تفاصيل حياته اليومية، وتوثقها المؤشرات والتقارير العالمية. طالبنا يومها، وما زلنا، باستراتيجية وطنية واضحة للحكومة الإلكترونية، تُبنى بشراكة حقيقية بين القطاعين العام والخاص، لا أن تكون اجتهادات فردية مرتبطة بأشخاص وتنتهي بمغادرتهم كراسي المسؤولية.
قدمنا خبراتنا، وقدمنا دراساتنا مجانًا، إيمانًا منا بأن النهوض الرقمي في أردن العز ليس ترفًا، بل ضرورة وطنية واقتصادية وإدارية. لكن المؤسف أن التحول الرقمي، في كثير من مراحله، بقي حبيس العناوين الرنانة، والمؤتمرات، والوعود الإعلامية، دون أن يُترجم إلى منظومة متكاملة يشعر بها المواطن بوضوح.
لا يمكن إنكار وجود بعض الخدمات الحكومية الإلكترونية التي ساهمت – إلى حد ما – في تخفيف العبء عن المواطن، وهذا يُحسب لا يُنكر. لكنها، في الواقع، خدمات مجزأة، تعمل كل جهة فيها بمعزل عن الأخرى، لغياب الربط التكاملي الحقيقي بين معظم المؤسسات الحكومية. وكما يُقال: كلٌ يغني على ليلاه، في مشهد لا يشبه التحول الرقمي بقدر ما يشبه الأتمتة الجزئية.
المشكلة الأعمق ليست في التكنولوجيا ذاتها، بل في غياب الاستمرارية، وغياب المحاسبة، وغياب الرؤية الوطنية الجامعة. فالأهم لدى بعض المسؤولين ليس ما يتحقق على الأرض، بل ما يُقال أمام الكاميرات، وما يُنشر في الأخبار، وما يُوزع من ابتسامات، في ظل نظام لا يُسائل بقدر ما يُجامل.
التحول الرقمي الحقيقي لا يُقاس بعدد التطبيقات ولا بعدد المنصات، بل بمدى تكاملها، وبقدرتها على تسهيل حياة المواطن، ورفع كفاءة الأداء الحكومي، وتعزيز الشفافية، وبناء الثقة بين الدولة والمواطن.
بعد ثماني سنوات، ما زلنا نملك الكفاءات، وما زال لدينا شباب قادرون على الإبداع، وما زال الأمل موجودًا… لكنه أمل مُرهق، يحتاج إلى قرار شجاع، ورؤية ثابتة، وإدارة تؤمن بأن التحول الرقمي مشروع دولة، لا مشروع أشخاص.
وآهٍ يا وطن… كم حلمنا أن نراك متقدمًا رقميًا كما تستحق


