أجور "بالعلالي”، والطبيب لا يعترف باللوائح… والمواطن يدفع الثمن، والشكاوى مجرد ورقة تُركن في النقابة.
ماذا يجري بحق لائحة الأجور الطبية؟
المواطن يشتكي دائمًا ويقول: "رضينا بالهم والهم ما رضي فينا”، في إشارة إلى رفض عدد من الأطباء — ونقول عدد محدود لا يمثل الجميع — الالتزام بلائحة الأجور الطبية المعتمدة والمقرّة من قبل نقابة الأطباء ووزارة الصحة ، والتي تُعتبر إلى حد كبير عادلة لجميع الأطراف ذات العلاقة.
المواطن المسكين، وهو بالمناسبة الحلقة الأضعف، يبدو وكأنه "الدجاج المسحّب”، لا ظهر له ولا سند يحميه، فيقع في طاحونة بعض الأطباء المشهورين الذين يفترسونه ويعتبرونه لقمة سائغة سهلة الهضم مع أول زيارة. ونكرر هنا أن هؤلاء فئة محدودة جدًا ولا يمثلون الجسم الطبي بأكمله، لكنهم يمارسون المهنة بعقلية التاجر لا بعقلية الطبيب صاحب الرسالة الإنسانية.
فالطبيب الذي أقسم وأدى اليمين بأن يمارس مهنته بشرف وأمانة وإنسانية وأخلاق، هو أول من ينقض هذا العهد حين يرفض الالتزام بلائحة الأجور، التي يفترض أن تكون الفيصل والحَكم بين جميع الأطراف. لكن المواطن، وللأسف، يقع ضحية هؤلاء، ولا يستطيع الإفلات من "كماشة” السكرتيرات اللواتي يتولين جمع الإيرادات اليومية نقدًا، بحجة أن الطبيب غير مشترك مع شركات التأمين ولا يرغب بالتعامل معها لأنه "مطلوب” ولا يحتاج إلى وساطة أو شركات تأمين لجذب المرضى.
فهو طبيب مشهور، اختصاصي تُرفع له القبعات، يحمل شهادات وخبرات طويلة، وعيادته في أرقى الأبراج، ولذلك يتعامل بمنطق: "أنا المطلوب، وأنا من أحدد السعر، ومن لا يعجبه فليبحث عن غيري”.
المواطن أو المراجع المنهك صحيًا، والذي يبحث عن بارقة أمل تعيد له توازنه وصحته التي يضعها على رأس أولوياته، يضطر إلى دفع ما يشبه "الخاوة” لهذا الطبيب المشهور رغمًا عنه. وهذه التسعيرة لم تُقرها أي جهة رسمية، فهي تسعيرة خاصة يفرضها الطبيب نفسه، لا علاقة لها بلائحة الأجور المعتمدة من النقابة أو الوزارة، وغالبًا ما تكون مضاعفة ولا تتناسب مع طبيعة الاستشارة، بل تتجاوز حتى أجور أطباء آخرين من ذات الفئة والتخصص.
المواطن يدفع لأنه لا يملك خيارًا آخر، فصحته بالنسبة له أهم من المال. وبعد أن يفيق من صدمة الفاتورة — التي غالبًا لا يحصل عليها رغم إصراره على طلبها — يكتشف أن بعض العيادات تتعامل نقدًا أو عبر وسائل دفع إلكترونية دون إصدار فاتورة رسمية، ما يدفعه للتوجه إلى نقابة الأطباء الأردنية لتقديم شكوى موثقة بحق الطبيب وعيادته.
لكن، وبحسب شكاوى متكررة، لا يجد المواطن نتيجة ملموسة. تبدأ رحلة المعاناة والمتابعة الطويلة، وقد تمر أسابيع أو أشهر دون رد حاسم، فيشعر المشتكي أنه تُرك وحيدًا في مواجهة منظومة لا تنصفه.
الطبيب يعرف ذلك جيدًا، ولذلك يتمادى، ويتحكم بلائحة الأجور كما يشاء، بل ويتصرف وكأنه فوق المساءلة، لأنه ببساطة — كما يقال بالعامية — "مش سائل”، طالما لا يوجد من يوقفه عند حده أو يفرض عليه احترام القانون والأنظمة.
وللحديث بقية…