في لحظة خيالية، لنتصور أن الإنترنت قد انقطع عن العالم كله، وأن مواقع التواصل الاجتماعي أصبحت مجرد ذكرى من الماضي. لا "إعجابات”، ولا "متابعات”، ولا مقاطع قصيرة تتسابق على خطف الانتباه ، عندها يبرز سؤال يستحق التأمل: كيف ستكون حياتنا؟ ومن سيبقى حاضرًا في ذاكرة الناس عندما تغيب الشاشات؟
ربما أول ما سيتبادر إلى الذهن هو مصير أولئك الذين يُطلق عليهم اليوم اسم "المؤثرين”. فهل سيبقى لهم التأثير ذاته؟ وهل سيجدون من يتابعهم ويمنحهم الاهتمام نفسه بعيدًا عن الخوارزميات والمنصات الرقمية؟ أم أن جزءًا كبيرًا من هذا الحضور مرتبط بوسيلة العرض أكثر من ارتباطه بقيمة المحتوى نفسه؟
لا شك أن بين صناع المحتوى من يقدم علمًا نافعًا وفكرًا راقيًا ورسالة هادفة تستحق الاحترام والتقدير، لكن المشكلة تكمن في ذلك السيل الجارف من المحتويات الهابطة التي لا تضيف معرفة ولا تبني وعيًا، ومع ذلك تحصد ملايين المشاهدات والمتابعين ، وهنا يحق لنا أن نتساءل: ما الذي تغير فينا حتى أصبح بعض أصحاب المحتوى السطحي نجومًا، بينما يتوارى أصحاب العلم والخبرة والأخلاق خلف الضجيج؟
الأمر لا يتعلق بالعمر بقدر ما يتعلق بالعقلية ، فالمراهقة ليست مرحلة زمنية فقط، بل قد تكون سلوكًا يستمر مع الإنسان مهما تقدم به العمر ، لذلك نجد أحيانًا أن المحتوى الذي يخاطب الغرائز والانفعالات السريعة يجد رواجًا أكبر من المحتوى الذي يخاطب العقل والفكر ، وما دام الطلب موجودًا، سيستمر العرض في التوسع والانتشار.
في الماضي، وقبل الثورة التكنولوجية، كانت المعايير أكثر وضوحًا ، كان صاحب العلم يُعرف بعلمه، وصاحب الحكمة يُقصد للاستشارة، وصاحب الخلق يحظى بالاحترام والتقدير ، لم يكن الوصول إلى الشهرة أمرًا سهلاً، ولم يكن التصفيق يُمنح لكل من رفع صوته أو أثار الجدل ، كانت المكانة تُبنى على سنوات من الجهد والمعرفة والسيرة الحسنة.
أما اليوم، فقد اختلط الحابل بالنابل ، أصبح من الصعب أحيانًا التمييز بين الغث والسمين، وبين من يقدم قيمة حقيقية ومن يجيد فقط جذب الانتباه ، بل إن النصيحة نفسها، التي كانت تُستقبل يومًا بالترحاب والشكر، أصبحت في كثير من الأحيان سببًا لسيل من الهجمات والتجريح والذباب الإلكتروني، وكأن الحكمة أصبحت تهمة، والتوجيه اعتداءً على الحريات الشخصية.
ولعل هذا ما يدفع الكثيرين إلى الحنين لتلك الأيام البسيطة ، أيام كانت العائلة تجتمع فيها حول شاشة تلفاز واحدة لمشاهدة مسلسل أو برنامج ينتظره الجميع بشغف ، أيام كانت الأحاديث وجهاً لوجه، والزيارات أكثر دفئًا، والعلاقات أكثر صدقًا، والوقت أكثر بركة ، لم تكن الحياة مثالية، لكنها كانت أقل ضجيجًا وأكثر إنسانية.
لا أحد يدعو إلى رفض التكنولوجيا أو التنكر لفضلها، فهي نعمة عظيمة إذا أحسن استخدامها. لكن المشكلة تبدأ عندما تتحول الوسيلة إلى غاية، وعندما يصبح عدد المتابعين أهم من جودة الفكرة، وعدد المشاهدات أهم من قيمة الرسالة.
ربما لن يعود الزمن إلى الوراء، وربما لن تنطفئ الشاشات كما تخيلنا، لكن يبقى السؤال حاضرًا: لو اختفت المنصات غدًا، فمن سيبقى أثره في القلوب والعقول؟ صاحب العلم؟ أم صاحب الضجيج؟
وفي خضم هذا التسارع الجنوني، لا يملك الإنسان إلا أن يبتسم وهو يتذكر عبارة يرددها الكثيرون كلما قارنوا الأمس باليوم:
"وفوق كل هذا… بتقولوا ليش تغيّر طعم التفاح؟”.
فالذي تغيّر في الحقيقة ليس التفاح وحده، بل أشياء كثيرة فينا وحولنا، وما زلنا نبحث عنها بين زحام الشاشات.




