اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

نصوح محي الدين مرزوقة… حين يكون الوفاء فلسفة أمن

نصوح محي الدين مرزوقة… حين يكون الوفاء فلسفة أمن
الكابتن أسامة شقمان
أخبار البلد -  

ليس من السهل الكتابة عن القادة الأمنيين خارج إطار السيرة الوظيفية الجامدة، فالتجربة الأمنية الحقيقية لا تُقاس بعدد المناصب ولا بطول السنوات، بل بعمق الأثر وبقاء الفكرة. ومن هذا المنطلق، فإن الحديث عن المرحوم الفريق نصوح محي الدين مرزوقة هو حديث عن مدرسة في الفكر الأمني، وعن نموذج قيادي جمع بين الانضباط المؤسسي والبعد الإنساني، وبين صرامة الواجب ومرونة الحكمة.
كان لقائي الأول به في شرطة إربد، يوم كان برتبة مقدّم، لقاءً كشف منذ لحظاته الأولى عن شخصية أمنية مختلفة؛ شخصية لا تتكئ على الرتبة بقدر ما تستند إلى المعرفة والخبرة والقدرة على بناء الثقة. لم يكن ينظر إلى الأمن بوصفه مجموعة إجراءات جامدة، بل بوصفه منظومة قيم وسلوكيات تبدأ من رجل الأمن وتنتهي عند المواطن، حيث يصبح القانون أداة للعدل لا عبئًا على الناس.
في فلسفة نصوح محي الدين، لم يكن الأمن نقيضًا للحرية، بل حارسها، ولم تكن السلطة غاية في ذاتها، بل وسيلة لحماية النظام العام وصون كرامة الإنسان. لذلك، حين تقلّد مواقع المسؤولية، عمل على تطوير الإجراءات، وتحديث آليات العمل، وتبسيط الخدمات، واضعًا المواطن في قلب المعادلة الأمنية لا على هامشها. وقد انعكس هذا النهج بوضوح على مستوى الأداء المؤسسي، وعلى ثقة الناس بالجهاز الأمني، وعلى سرعة إنجاز المعاملات وجودتها.
غير أن ما يميّز هذه التجربة القيادية لا يقتصر على بعدها المؤسسي، بل يتجاوز ذلك إلى بعدها الأخلاقي والإنساني. فقد كان الفريق نصوح محي الدين نموذجًا نادرًا في الوفاء، وهو ما تجلّى بوضوح في علاقته بوالدي، المرحوم محمد علي الأمين. لم تكن تلك العلاقة علاقة موقع أو مناسبة، بل صداقة صدق قائمة على الاحترام المتبادل، والإيمان بالمبادئ المشتركة، والتقدير العميق لقيمة الإنسان في موقعه ودوره.
ومن رحم هذا الوفاء، وُلد كتيّب «زارع الأمن»، الذي ألّفه الفريق نصوح محي الدين عن والدي، وأهداه إليه قبل وفاته بأشهر قليلة. وفي هذا الفعل تتجلّى فلسفة عميقة في فهم المعنى الحقيقي للتكريم؛ فالتوثيق في حياة الإنسان أصدق من الرثاء بعد رحيله، والاعتراف في وقته أبلغ من أي خطاب لاحق. لقد قدّم نصوح محي الدين بهذا العمل نموذجًا عمليًا للأخلاقيات المهنية التي تتجاوز حدود الوظيفة إلى فضاء القيم، حيث يصبح القلم امتدادًا للضمير، والكتابة فعل وفاء لا مجاملة.
وفي مسيرته الرسمية، سواء في مديرية الأمن العام أو في دائرة الأحوال المدنية والجوازات، أسهم الفريق نصوح محي الدين مرزوقة في إحداث نقلات نوعية على مستوى التنظيم والإدارة والخدمة العامة، وكان له دور فاعل في تطوير الأداء المؤسسي ورفع كفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين. كما شكّل مؤلفه «واقع النقل والمرور في الأردن: تجارب وطموحات» إضافة معرفية مهمة، عكست رؤية تحليلية تستند إلى التجربة الميدانية والخبرة العملية، لا إلى التنظير المجرد، وهو ما منح العمل قيمته المرجعية في هذا المجال.
ورغم بلوغه أعلى الرتب والمواقع، بقي التواضع سمة ملازمة له، وبقي الخطاب الهادئ والعقلاني أسلوبه في الإدارة والتواصل. لم تغيّره المناصب، ولم تُبدّل اللغة التي يخاطب بها الناس، وظل يؤمن أن القيادة الحقيقية تُقاس بقدرة القائد على الإصغاء قبل إصدار القرار. وحين غادر موقعه الرسمي، فعل ذلك بهدوء القادة الواثقين بأن الأثر لا يحتاج إلى حضور دائم، بل إلى فكرة صادقة تستمر بعد الرحيل.
ويأتي هذا الحديث عن الفريق نصوح محي الدين مرزوقة اليوم في سياق شخصي وإنساني خاص، إذ إنني بصدد إشهار كتاب عن رحمة والدي، المرحوم محمد علي الأمين، بعد شهر رمضان المبارك، تحت عنوان «بعد الرحيل»، وهو كتاب يتناول سيرته الإنسانية والمهنية، وما تركه من أثر فيمن عرفوه وعملوا معه. وقد خصصت الفصل الثامن من هذا الكتاب للحديث عن وفاة الفريق نصوح محي الدين مرزوقة، انطلاقًا من كتيّبه «زارع الأمن»، فجاء هذا الفصل تحت عنوان «بطاقة حب ووفاء»، بوصفه ردًّا أخلاقيًا وإنسانيًا على وفاءٍ سبقني إليه.
إن تخصيص هذا الفصل لم يكن استعادة لذكرى فحسب، بل توثيقًا لمعنى نادر في العلاقات المهنية والإنسانية، حيث يلتقي الأمن بالقيم، والوظيفة بالضمير، والصداقة بالمسؤولية. فكما كتب نصوح محي الدين عن والدي وهو حي، كان من الوفاء أن يُكتب عنه بعد رحيله، لا رثاءً، بل اعترافًا بسيرة رجل آمن بأن الأمن الحقيقي يبدأ بالإنسان.
رحم الله الفريق نصوح محي الدين مرزوقة، الذي جسّد الوفاء فكرًا، والأمن قيمة، والمسؤولية أمانة.
سلامٌ عليه ما بقي في هذا الوطن من يؤمن أن الأمن الحقيقي لا يُفرض بالقوة وحدها، بل يُبنى بالعدل، ويُصان بالأخلاق، ويستمر بالفكرة.
رحمه الله رحمة واسعة، وأسكنه فسيح جناته،
وسلامٌ عليه في الخالدين، ما بقي الوفاء قيمة، وما بقي للأمن معنى.
شريط الأخبار العثور على عشريني متوفى في منزله في اربد 18.8 مليون حجم التداول في بورصة عمان مزاد علني إلكتروني لبيع ممتلكات السفارة الامريكية في عمان النفايات تتكدس في شوارع عمان وتوبيخ البيئة "استحوا" مردود على أمانة عمان هل ستصل اجابات "الغذاء والدواء" عبر الحمام الزاجل يا معالي وزير الاعلام..؟؟ سم الفئران يقتل طفلاً بدلاً من القوارض السعودية تمنع مرور برادات خضار اردنية نحو الامارات تنقلات في وزارة الداخلية - أسماء وزير الصحة: إضافة 577 سريرا جديدا وإنشاء 14 مركزا صحيا إحباط محاولة تسلل من سوريا وإسقاط طائرة مسيّرة محملة بمواد مخدرة نقابة ملاحة الأردن: نمو قوي في الواردات وحركة الترانزيت خلال الشهور الخمس الأولى 2026 توضيح بخصوص نظام "إي فواتيركم" في الاردن ارتفاع أسعار الذهب محليا.. عيار 21 يسجل 88.4 دينار مشوقة للحكومة : زودوني بوثائق تعيين امين عام مركز الاوبئة الطراونة يفتح ملف امتحانات الإقامة بالقطاع الخاص غياب الرقابة يهدد عدالة الفرص للأطباء الدكتور الكساسبة في مقال هام يحمل دلالات ومعاني عن حضور مندوب الدولة: بين الشكلية والفاعلية توجيهات من رئيس الوزراء جعــــفر حسان هل إستقالة الرفاعي نقطة بداية لطبخة التعديلات والتغييرات القادمة ؟ حريق في بناية النائب بيان المحسيري والاخيرة توجه رسالة شكر مستشفى الكندي يهنئ جلالة الملك وولي العهد بمناسبة عيد رأس السنة الهجرية