لبس الحرّاثين

لبس الحرّاثين
عاطف أبو حجر
أخبار البلد -  
ماذا لو كان الشرف يُقاس بلون البنطال، لا بثمنه؟ وماذا لو كانت الأناقة الحقيقية تُفصَّل على مقاس الأرض، لا على مقاس واجهات المولات؟ في زمنٍ صار فيه الإنسان يُعرَف بعدد متابعيه، لا بعدد السنابل التي زرعها، يصبح أن يُقال لك: "إنك ترتدي لبس الحراثين" وسامًا على الصدر، لا ملاحظة عابرة تُقال عند صندوق الدفع.

قبل أيام، وبينما كنتُ أقف لتسديد اشتراك الإنترنت—ذلك الشريان الذي يمدّ جيلنا بالأكسجين الافتراضي—التقيتُ صدفةً بأحد الأصدقاء الأعزاء. حيّيته فردّ السلام، وكانت عليَّ يومها أناقةٌ لا تُخطئها عين خبير ومصمم أزياء: بنطال جينز أخضر زيتي، وجاكيت جوخ أسود، وبلوزة صوف تليق بشتاءٍ عنيد. وأُقسم بالله أن جميعها من سوق الجمعة الأوروبي، البالة المباركة التي تُعيد تدوير الأناقة كما نُعيد نحن تدوير الذكريات.

مددتُ بطاقة الفيزا لموظفة الصندوق، فإذا بصديقي يبتسم ويقول: "شايفك لابس لبس الحراثين!"

توقّعتُ أن أشعر بشيءٍ من الحرج، فإذا بي أشعر بشهوة فخرٍ لا تُوصف. يا الله! أيُّ وصفٍ هذا الذي يربطني بسلسلةٍ من الرجال الذين كانت أكتافهم تعرف المحراث، وأكفّهم تحفظ شكل الحبوب قبل أن تحفظ أرقام البطاقات البنكية؟ أيُّ شرفٍ أعظم من أن تُشبَّه بأولئك الذين كانوا يكتبون أسماءهم على الأرض بالعرق، لا بالحبر؟

أجبته ضاحكًا: "والله كنتُ بنقب بالدوالي!" فازداد اقتناعه بأنني أرتدي فعلًا زيّ الحراثين، فبنطالي الزيتي—باعتراف الخبراء—يشبه بنسبة مئتين بالمئة بنطال بدلة "الفوتيك"، ذلك الزيّ الذي يرتبط بكبار البلد وعسكر الجيش، تلك المؤسسة التي خدمتُ بها فترة شبابي وخدم بها والدي وإخوتي؛ الفوتيك الذي كان يعلن للمزارع أيضًا بداية يومٍ شاقٍّ ونهاية رغيفٍ مستحق.

لكن كلمته لم تكن مزحةً عابرة؛ كانت مفتاحًا لذاكرةٍ عتيقة. فجأةً، وجدتُ نفسي طفلًا أرافق والدي إلى "البطين" في أيام حراثة الأرض وبذر القمح. أسمع صرير المحراث، وأرى التراب ينقلب كأن الأرض تتنفس. وتلك الرائحة… آهٍ من رائحة الأرض حين تُفلَق بالمحراث! رائحةٌ تُنعش القلب والرئتين معًا، وتُذكّرك أن الإنسان خُلق من هذا التراب، وإليه يعود، وبينهما يزرع ليحيا.

كان الزمن الماضي زمن تعبٍ، نعم، وزمن جوعٍ أحيانًا، لكنه كان أيضًا زمن معنى. إذا حرثتَ وزرعتَ أكلت، وإذا تكاسلتَ جاعت معدتك قبل أن يجوع هاتفك من انقطاع الشحن. لم يكن هناك "واي فاي" يربط الناس، بل كانت تربطهم آبار مياة الأمطار، وعرق الجبين، وأمل السنابل حين تميل ذهبًا في موسم الحصاد.

اليوم، صرنا نغوص في شاشاتنا أكثر مما نغوص في الأرض، ونبذر كلماتٍ في فضاءٍ لا يُثمر قمحًا. جيلٌ يتقن النوم على ضوء الهاتف، لكنه لا يعرف كيف يستيقظ مع الفجر ليلحق بالمحراث. ومع ذلك، ما زالت الأرض هناك، تنتظر من يلبس "لبس الحراثين" لا كزيٍّ فولكلوري في إحتفال، بل كهويةٍ وانتماء.

فليضحك من يشاء على الجينز الزيتي والجاكيت الجوخ، وليحسبها موضةً ريفيةً طارئة. أما أنا، فسأظلّ أرى في ذلك اللباس امتدادًا لخطى أبي وأجدادي، الذين علّمونا أن الكرامة تُزرع كما يُزرع القمح، وأن الفخر لا يُشترى من متجرٍ فاخر، بل يُحاك من خيوط التعب، وتُصبغه شمس الحقول.

سلامٌ على لبس الحراثين…
وسلامٌ على أرضٍ إذا أحببتَها، أطعمتك.
شريط الأخبار تشخيص البابا ليو الرابع عشر بالسرطان يثير قلقاً في الفاتيكان عم معالي عمر ملحس رئيس مجلس استثمار أموال الضمان الاجتماعي في ذمة الله محافظ المركزي الإيراني: الحديث الأميركي عن انهيار اقتصادنا مجرد أوهام الحوثيون يتوعدون بمزيد من الهجمات على السعودية بعد استهداف مقر أرامكو إصابة 15 مغربيا بالعمى في طنجة إثر حقن علاجية والسلطات تفتح تحقيقا عاجلا بحث تنفيذ مشروع لرقمنة 23 خدمة لوزارة الأوقاف كم سيستغرق التحول الرقمي الكامل في المحاكم الأردنية؟... وزير العدل يجيب صمت الكباريتي كلام فصيح! ولي العهد يؤكد أهمية مواصلة تطوير خدمات وزارة العدل الأردن يتقدم للمرتبة الـ6 عربيا في المؤشر العربي للاقتصاد الرقمي ارتفاع فاتورة التقاعد نحو 3% خلال الأشهر السبعة الأولى من 2026 إصابة مقيم عربي جراء سقوط شظايا صاروخ باليستي في الرياض 17.4 مليون حجم التداول في بورصة عمان الاتحاد الاردني لشركات التأمين يكرم "اخبار البلد" في مؤتمر GAIF 35 3 إصابات في انفجار مصنع جنوب "إسرائيل" ومخاوف من تسرب مواد خطرة بريطانيا: سجن أردني 72 أسبوعاً بعد ارتكابه 17 جريمة خلال عشرة أيام فراس سلطان الممثل السابق للقطاع المالي في تجارة الاردن مؤتمر (GAFI 35) نجح بامتياز والاتحاد الاردني وسميرات "ببيضوا الوجه" ارتفاع عدد المؤمن عليهم في الضمان إلى أكثر من 1.7 مليون مشترك عشيرة التل تصدر بيان تكشف فيه تفاصيل اختطاف ابنها: عرّوه وصوروه وكسروا جمجمته الجرائم الإلكترونية: القبض على محتال إلكتروني عن طريق بيع الهواتف الخلوية