هناك فرقٌ كبير بين إدارة الأزمات وإدارة الوقت حتى تنسى الناس. وبينهما تضيع الحقيقة، وتتكرر الأخطاء، ويدفع الوطن الثمن.
من أخطر ما قد يصيب أي مؤسسة هو أن تتحول سياسة الحسم إلى سياسة التمييع، وأن يصبح تأجيل القرار بديلاً عن اتخاذه، وكأن الزمن وحده كفيل بإغلاق الملفات ، وما أكثر من يراهنون على ما يُعرف بـ”ذاكرة السمكة”، أو كما يقول مثلنا الشعبي: "خبِّيني وخذلك عباءة”، فيُترك الخطأ بلا مساءلة، ويُرحَّل الإصلاح من محطة إلى أخرى، حتى يصبح التقصير أمرًا مألوفًا.
لقد أسدل الستار على مشاركة منتخبنا الوطني "النشامى” في كأس العالم، وهي مشاركة نفخر بها من حيث الوصول إلى هذا المحفل العالمي، لكن الفخر بالإنجاز لا يعني أن نغلق أعيننا عن الأخطاء التي رافقت المشوار. فجميع المنتخبات المحترفة، مهما بلغت مكانتها، تفتح ملفاتها بعد كل بطولة، تُقيّم، وتراجع، وتحاسب، وتبني للمستقبل ، أما الاكتفاء بعبارات الشكر والثناء دون مراجعة حقيقية، فهو ظلم للنجاح قبل أن يكون تبريرًا للإخفاق.
إن الجماهير الأردنية لا تطلب المستحيل، ولا تبحث عن "كبش فداء”، بل تطالب بمراجعة شفافة وشجاعة، تُسمّي الأمور بأسمائها، وتُكافئ من أحسن، وتُحاسب من أخطأ، فالمسؤولية ليست منصبًا للتكريم، وإنما أمانة تُقاس بالنتائج.
فالجرح الملتهب لا يلتئم بمجرد تغطيته، بل يحتاج إلى فتحه وتنظيفه وعلاجه ، وكذلك الأخطاء الإدارية والفنية ، تجاهلها لا يُلغيها، بل يمنحها فرصة للعودة بصورة أشد قسوة في الاستحقاقات القادمة.
إن ثقتنا كبيرة بأصحاب القرار في الاتحاد الأردني لكرة القدم، بأن تكون المرحلة المقبلة مرحلة مراجعة حقيقية لا مجاملة فيها، وأن يكون معيار البقاء أو الرحيل هو الكفاءة والإنجاز، لا العلاقات أو الحسابات الضيقة ، فحين يكون الوطن هو البوصلة، تصبح الشفافية قوة، والمحاسبة عدالة، والإصلاح واجبًا لا خيارًا.
نريد أن تبقى قصة النشامى قصة نجاح تتجدد، لا تجربة جميلة تتآكل بسبب الإصرار على تجاهل مكامن الخلل ، فالأردن يستحق الأفضل، ومن يرتدي شعاره أو يتحمل مسؤولية تمثيله، عليه أن يؤمن بأن النقد الموضوعي ليس خصومة، بل هو أعلى درجات الانتماء.
الوطن أكبر من الأشخاص، والنجاح الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالأخطاء، لا من دفنها.



