خاص
لم تعد قضية الحجوزات على جسر الملك حسين مجرد شكاوى متفرقة يتداولها المواطنون، بل تحولت إلى ملف يفرض عشرات علامات الاستفهام بعد اعتراف شركة "جت" بوجود ثغرات استغلها سماسرة للحصول على مواعيد السفر وإعادة بيعها في السوق السوداء بأسعار مضاعفة، في مشهد لا يليق بخدمة تمس آلاف المسافرين يومياً.
الأخطر أن هذه السوق السوداء لم تنشأ بين ليلة وضحاها، بل استمرت لفترة طويلة وسط تساؤلات مشروعة: أين كانت أدوات الرقابة؟ وكيف تمكنت شبكات السمسرة من العمل بهذه الجرأة حتى أصبحت أسعار المواعيد المتداولة معروفة لدى الجميع؟
وفي الوقت الذي يفتح فيه هذا الملف أبواب المساءلة، لا يمكن إغفال الجهود التي يقودها وزير الداخلية مازن الفراية، الذي أجرى زيارتين مفاجئتين إلى جسر الملك حسين، وأشرف على إجراءات تهدف إلى ضبط العمل، في رسالة واضحة بأن الدولة لن تسمح باستمرار الفوضى أو استغلال حاجة المسافرين، خصوصاً الأشقاء الفلسطينيين الذين يمرون عبر الجسر.
كما اتخذت وزارة الداخلية سلسلة إجراءات تنظيمية، كان أبرزها منع دخول وسفر 468 شخصاً عبر الجسر بعد ثبوت تكرار استخدامهم للحجوزات لأغراض تجارية والاستفادة من فروقات الأسعار في السوق الحرة، في محاولة لإعادة تنظيم حركة السفر وإعطاء الأولوية للمسافرين لأغراضهم الحقيقية.
وفي المقابل، أعلنت شركة "جت" فتح تحقيق داخلي، وأوقفت صلاحيات نحو 30 موظفاً في مراكز الاتصال وعلى الجسر، بعد رصد تجاوزات في نظام الحجوزات، مؤكدة أن التحقيقات مستمرة بالتنسيق مع الجهات المختصة.
لكن اللافت في تصريحات الشركة تأكيد أحد مسؤوليها أن "جت" لم تتلقَّ أي شكوى رسمية من مواطنين تعرضوا للاستغلال، وأن معظم من تحدثوا عن بيع المواعيد اكتفوا بالتصريحات عبر الإذاعات ومنصات التواصل الاجتماعي، مضيفاً أن من يدفع مبلغاً يزيد على السعر الرسمي وهو يعلم قيمة التذكرة، يتحمل مسؤولية عدم تقديم شكوى للجهات المختصة.
غير أن هذا التبرير لا يبدد تساؤلات الشارع، فهل يعفي غياب الشكوى الرسمية أي جهة من مسؤولية الرقابة والمتابعة؟ وهل من المنطقي أن تكون السوق السوداء حديث المواطنين ووسائل الإعلام، بينما لا تُكتشف إلا بعد اتساع رقعتها؟
اليوم، وبعد أن خرج الملف إلى العلن، لم يعد المطلوب مجرد تحقيقات داخلية أو إجراءات مؤقتة، بل كشف كامل للحقيقة، ومحاسبة كل من استغل حاجة الناس، سواء كان سمساراً أو متورطاً في تسهيل تلك الممارسات، حتى لا تتحول خدمات الدولة إلى سلعة تباع وتشترى في السوق السوداء.
وعلى وقع هذه التطورات، تصاعدت عبر منصات التواصل الاجتماعي مطالبات بإعادة النظر جذرياً في آلية نقل المسافرين عبر جسر الملك حسين، حيث دعا مواطنون إلى إسناد تشغيل الحافلات إلى جهة حكومية أو إلى القوات المسلحة الأردنية، معتبرين أن ذلك قد يسهم في إحكام الرقابة، وإنهاء فرص السمسرة، وتحويل العوائد إلى خزينة الدولة بدلاً من أن تكون بيئة يستفيد منها المتلاعبون.
ويبقى السؤال الذي ينتظر الأردنيون إجابته: هل ستكون هذه الإجراءات بداية النهاية لمافيا التذاكر، أم أن السوق السوداء ستعود بثوب جديد ما لم تُغلق جميع الثغرات ويُحاسب كل من يثبت تورطه؟