الحماسة الدينية التي يُظهرها هذا الوزير تشبه ما يقوله رئيسه وما يقوله أعضاء في الكونغرس ووعاظ في الجيش الأمريكي وفي الإعلام حول إنزال المسيح بجهودٍ بشرية خالصة وليس بإرادة إلهية، هذه الروح الدينية تبدو كتبرير للأطماع الاستعمارية أو تقوية لها وتعميقاً لضرورتها، الروح الدينية هذه لا تلغي الرغبة في الاستعمار والتوسع والسيطرة، بل على العكس من ذلك تماماً، فهذه الروح تبدو وكأنها التبرير من جهة والدافعية من جهة أُخرى، الروح الدينية، أو كما يُعبِّر عنها الوشم على ذراع الوزير إياه، هي تعبير عن إرادة الله في إدارة هذه الحرب ورعايتها، وبالمناسبة، فإن حركة الاكتشاف ومن ثم بِدء الاستعمار، ترافق مع حماسة دينية ملتهبة تدعو إلى مزيد من السيطرة والنفوذ، كان المستعمر في حينه بحاجة إلى تبرير أخلاقي أو ديني للقتل والاستعمار والسرقة، فتطوع النص الديني ليخدم أهدافه تماماً، وهو ما تفعله كل السلطات في الكون وعلى مدى التاريخ كله.
الوزير المحارب هذا هو ابن حضارة تبدأ بالتهاوي والتآكل، لم تعد مقولاتها القديمة تكفي ولا عملتها ولا مؤسساتها ولا حتى قوتها المذهلة، الروح الدينية وحدها هي الكفيلة باستعادة روح ذلك الصليبي الذي حارب كل شيء ليلاحق خيط دخان، وزير الحرب هذا لم يُخفِ إطلاقاً عداءه للإسلام، وذلك من خلال كتبه السطحية والغارقة في الأوهام، ويكفي أن نقرأ ما ترجمه الكاتب المصري حسن قطامش في الفصل الثاني عشر من كتاب "الحملة الصليبية الأمريكية: كفاحنا من أجل البقاء أحراراً" للوزير إياه، لنرى كمية الجهل والحقد معاً، فهو يعتبر ما يسميه "الإسلاموية" الأيديولوجيا الأكثر تهديداً للحرية في العالم، ولهذا، لابد من مواجهتها بشكل مباشر ثقافياً وسياسياً وعسكرياً.
وفيما يتعلق بإسرائيل، فهو يؤيدها في كل أفعالها وممارساتها، باعتبارها دولة ديمقراطية ومن حقها أن تقوم بكل ما تقوم به، وعلى العكس من ذلك بالنسبة للفلسطينيين، فهو يعارض حل الدولتين ويدعم بكل ما أوتي من قوة الإجراءات الوقائية والعقابية المفروضة على الفلسطينيين، هذا جزء مما ترجمه الكاتب المصري في الفصل الثاني عشر فقط، فلك أن تتخيل ما قد يحتويه هذا الكتاب، هذا الوزير – أخيراً – الذي لم يتجاوز السادسة والأربعين، بهذه العقلية وهذا التوجه الذي يتحدث بلغة غطرسة وزهو، ويتصرف وكأنه كونت صليبي قديم، لم ينتبه على الإطلاق أن المشروع الصليبي – على الرغم من توحشه وانعزاله – لم يستطع أن يصمد، فقد تهاوى على فترات متقاربة، حتى أن آخر جنود هذا المشروع فروا عُراة حُفاة من عكا، ولا أبالغ في ذلك أبداً.





