الشريط الإعلامي

لماذا الاحتفال بتدريس الفلسفة؟

آخر تحديث: 2022-08-14، 09:14 am
علاء الدين أبو زينة
أخبار البلد-
 

عندما كنتُ في الصفوف الابتدائية في أوائل السبعينيات، كان بين الكتب المدرسية لشقيقتي التي كانت في الثانوية آنذاك كتاب سميك للفلسفة. لكنّ ذلك الكتاب سُحب من المناهجِ المدرسية عقب إلغاء تدريس الفلسفة في المدارس الأردنية في العام 1976، ولم يكن هناك عندما وصلتُ المرحلة الثانوية.
ولأن الشيء بالشيء يُذكر، زودني صديق قبل أيام بصورة عن ورقة امتحان الفلسفة ضمن اختبارات الثانوية العامة للعام 1973، احتفظ بها قريب له. كان ذلك مثل العثور على صورة نادرة التُقطت لك وأنتَ طفل، وضاعت منك منذ زمن بعيد ثم وجدتها في مكان غير متوقع. وكان السؤالان الأولان في ورقة الأسئلة كما يلي:
س 1: أ. تعتبر "الدهشة” من الأصول التي تدفع الإنسان إلى التفلسف. وضح ذلك.
ب. ميز بين الفلسفة والعلم من حيث المنهج والموضوع.
من المفارقات أنني كنتُ بين الذين أجابوا عن السؤال "ب” نفسه تقريباً لاحقاً في أوائل الثمانينيات، في اختبار لمادة "فلسفة الأخلاق” التي كان يدرّسها الراحل الدكتور سحبان خليفات في الجامعة الأردنية. وكانت الجامعة تتيح في ذلك الوقت لطلبة الإنسانيات خيار التخصص الفرعي في الفلسفة بواقع دراسة نحو 30 ساعة دراسية.
غني عن البيان أن دراسة مساقات في المنطق، ومبادئ الفلسفة وتاريخها، وقضايا الفكر المعاصر، والتذوق الفني والحس الجمالي -من بين أخريات- ستجعل دارسها بعدها ليس كما كان قبلها. وفي بعض الحالات ولدى توفر الاستعداد، ستزوده بالأدوات والدوافع لاستنطاق مسلماته ونظراته، وإجراء الكثير من الحذف والإضافة للخروج ببناء فكري متماسك ومنطقي، يمكن الاعتماد عليه للتفاوض العقلاني مع مختلف الاقتراحات، من موقع الاستعداد الدائم للتعديل.
شيء قريب من هذا هو ما يبرر المطالبة -التي يبدو أنها تتحقق أخيراً- بتدريس الفلسفة في مدارسنا. وسوف يأمل المتفائلون أن يؤدي ذلك، إذا ما أُحسِنت إدارته، إلى صناعة عقل اجتماعي مختلف في الأردن في غضون جيل أو اثنين. ويجب أن ينعكس ذلك –إيجابياً كما يُؤمّل- على مختلف أنواع النشاط نحو تحسين طريقة الحياة. كيف؟
في عرضها للخطة الدراسية لقسم الفلسفة لديها، كتبت "جامعة جيمس ماديسون” الأميركية في فرجينيا:
"يمكن تطبيق الكثير مما يتم تعلمه في الفلسفة في أي مسعى تقريباً، لأن الفلسفة تمس الكثير من الموضوعات، ويمكن استخدام العديد من أساليبها في أي مجال”. وعرضت الجامعة استخدامات الفلسفة التي أقتبس بعضها أدناه:‏
"مهارات حل المشكلات العامة:‏
‏تعزز دراسة الفلسفة قدرات الشخص على حل المشكلات. فهي تساعدنا على تحليل المفاهيم والتعاريف والحجج والمعضلات. وتسهم في تعزيز قدرتنا على تنظيم الأفكار والقضايا، والتعامل مع المسائل ذات القيمة، واستخراج ما هو ضروري من كميات كبيرة من المعلومات. وبذلك، تساعدنا من ناحية على التمييز بين الاختلافات الدقيقة بين وجهات النظر، ومن ناحية أخرى، على اكتشاف أرضية مشتركة بين المواقف المتعارضة. كما أنها تساعدنا على تجميع مجموعة متنوعة من وجهات النظر في كلّ واحد موحد.‏
مهارات الاتصال:‏
‏تساهم الفلسفة بشكل فريد في تطوير القوى التعبيرية والتواصلية. وهي توفر بعض الأدوات الأساسية للتعبير عن الذات -على سبيل المثال، المهارات في تقديم الأفكار من خلال حجج منهجية جيدة البناء- من التي لا تستخدمها المجالات الأخرى أو تستخدمها على نطاق أقل. وتساعدنا الفلسفة على التعبير عما هو مميز في وجهات نظرنا، وتعزز قدرتنا على شرح الأفكار الصعبة، وتساعدنا على إزالة الغموض من كتابتنا وكلامنا.‏
‏القوى المقنعة:‏
‏توفر الفلسفة التدريب على بناء صياغات واضحة وحجج جيدة وأمثلة مناسبة. ويساعدنا ذلك في تطوير قدرتنا على أن نكون مقنعين. وتعلمنا الفلسفة بناء وجهات نظرنا والدفاع عنها، وتقدير المواقف المتنافسة، والإشارة بقوة إلى سبب اعتبار وجهات نظرنا الخاصة أفضل من البدائل. ويمكن تطوير هذه القدرات ليس فقط من خلال القراءة والكتابة في الفلسفة، ولكن أيضا من خلال الحوار الفلسفي، داخل وخارج الفصل الدراسي، الذي يشكل جزءاً مهماً من التعليم الفلسفي الشامل.‏
‏مهارات الكتابة:‏
‏تعلم الفلسفة الكتابة التفسيرية من خلال فحصها للنصوص الصعبة، والكتابة المقارنة من خلال التركيز على الإنصاف في محاكمة المواقف البديلة، والكتابة الجدلية من خلال تطوير قدرة الطلاب على تأسيس وجهات نظرهم الخاصة، والكتابة الوصفية من خلال التصوير التفصيلي للأمثلة الملموسة. وتعمل الأمثلة الملموسة كمرتكزات يجب أن ترتبط بها التعميمات. وإن، يتم التأكيد في الكتابة الفلسفية على البنية والتقنية. كما يتم تشجيع الأصالة أيضاً، وحث الطلاب بشكل عام على استخدام خيالهم لتطوير أفكارهم الخاصة”.‏
هذا جزء فقط مما هو متوقع من الفلسفة، الذي لا يتسع له هذا المجال.