مشرقان ومغربان... والشمس واحدة!

مشرقان ومغربان... والشمس واحدة!
أحمد عبد المعطي حجازي
أخبار البلد -  

كان عنوان مقالتي السابقة سؤالاً عن ثقافتنا العربية طرحته على نفسي وعلى القراء الأعزاء فقلت: ثقافة واحدة، أم ثقافات متفرقة؟ والحقيقة أنه تحذير من خطر يهددنا رأيت أن أعبر عنه بسؤال أطلب فيه إجابة نراجع فيها أنفسنا، ونستعيد وعينا بالدور الذي تؤديه ثقافتنا في ضم صفوفنا، ولم شملنا، وتوحيد كلمتنا لنواجه الخطر الذي لا يهدد الثقافة وحدها، وهي كيان حي يستمد حياته من وحدته التي تصله بماضيه الحافل، وتمكنه من حاضره الذي لا بد أن يستجمع فيه قواه، وتضيء له الطريق إلى مستقبل يستطيع أن يجد فيه مكاناً إلى جانب الثقافات الإنسانية الحية. فإن حققنا هذه الشروط التي نحمي بها ثقافتنا حققنا الشروط التي نحمي بها وجودنا وندعمه ونزوده بالطاقات التي تضمن له أن يتجدد، وأن يتقدم، وأن يزدهر. وهذا هو ما أعتقد أنه جوابنا جميعاً عن السؤال، فثقافتنا العربية ثقافة قومية واحدة، وليست ثقافات متفرقة، ولن تكون.

 

وإذا كنت قد بدأت مقالي بهذا السؤال الذي نقرر به المبدأ فقد ختمته بسؤال نلتفت به إلى الواقع لنرى ما يتفق فيه مع هذا المبدأ وما لا يتفق، وهكذا سألت نفسي أيضاً عما نعرفه نحن في المشرق العربي عن ثقافتنا في المغرب العربي، ثم أجبت فقلت: إننا لا نعرف إلا القليل عما يقدمه أشقاؤنا المغاربة، وأضيف إلى هذا أننا لم نعد نعرف إلا القليل عما قدموه للثقافة العربية في عصورها الماضية.

***

نحن لا نعرف إلا القليل مما يقدمونه في هذه الأيام، لأن وسائل الإعلام وأجهزة النشر عندنا وعندهم لم تعد للأسف معنية بتحقيق التواصل بين أقطارنا المختلفة. ولأنها لم تعد تؤدي وظيفتها فقدت مبرر وجودها.

المجلات الأدبية التي كانت تصدر قبل بضعة عقود وتجد من إقبال القراء ما يضاعف عددها ويرفع مستواها، لأن الإقبال على القراءة يجد لدى الكتّاب والشعراء إقبالاً على الكتابة والنشر، كما أنه ضمان للنجاح يحتاج له من يصدرون هذه المجلات ويتولون الإنفاق عليها. وفي أواسط القرن الماضي كان المصريون يصدرون حوالي عشرين مجلة ثقافية منها مجلة لفن الشعر، وعدة مجلات للقصة، وحوالي عشر مجلّات مفتوحة للشعر والقصة والنقد. ومن هذه المجلات «الرسالة» التي كان يصدرها أحمد حسن الزيات وكانت تصدر يوم الاثنين من كل أسبوع، و«الثقافة» وكان يصدرها أحمد أمين، و«الكاتب المصري» وكان يرأس تحريرها طه حسين.

وقد احتجبت هذه المجلات للأسف واحدة بعد الأخرى، وصدرت مجلات جديدة في عواصم عربية متفرقة، منها مجلة «الآداب» اللبنانية التي كان لها دور مهم في حركات التجديد في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ومنها «العربي» الكويتية، و«الأقلام» العراقية، وسواها من المجلات التي صدرت في المملكة العربية السعودية، واليمن، وسوريا، كما صدرت أيضاً عدة مجلات في مصر.

وإذا كانت هذه المجلات قد استطاعت أن تعرّف المغاربة بإنتاج المشارقة، فهي لم تستطع لأسباب مختلفة أن تعرفنا في المشرق بإنتاج أشقائنا المغاربة الذين عاشوا خلال القرنين الماضيين، والجزائريون خصوصاً، في منفى لغوي وثقافي حرمهم بعض الوقت من المشاركة في الحركة الثقافية العربية. غير أنهم لم يستسلموا لما كان المستعمرون الفرنسيون يسعون لفرضه، ولم يكفوا عن المقاومة، وظلوا يشاركون بالقدر الذي مكنهم من المحافظة على هويتهم، وانتزاع حريتهم واستقلالهم، وتقديم أعمال قيمة تثير الإعجاب وتستحق أن تحتل مكانها بجدارة في ثقافتنا المعاصرة كما نرى فيما يصل إلينا من هذه الأعمال، وهو قليل للغاية، فضلاً عن أنه لا يصل إلينا بانتظام. وهذا وضع غريب وغير مفهوم، لأنه يخالف ما كنا ننتظره ونتوقعه.

لقد رحل الاستعمار. واحتلت اللغة العربية مكانها في المغرب العربي، ونجحت الجزائر إلى حد كبير في تعريب التعليم والإدارة، واستعادت الثقافة العربية حضورها، وأنشئت لرعايتها الوزارات والمنظمات، وأصبحت حاجتنا لها في المشرق والمغرب أكثر إلحاحاً، وتطورت وتضاعفت وسائل النشر والاتصال دون أن يتحقق التواصل الذي كان منتظراً أن ينخرط فيه الجميع، وأن يتم بالصورة التي تتأكد بها وحدتنا الثقافية وتتجدد بالصورة التي لم تكن متاحة له في العقود الماضية. بل نحن نقارن ما كنا فيه قبل بضعة عقود بما صرنا إليه الآن فنرى أننا لم نصل إلى ما كنا نتمناه، ولم نحافظ حتى على ما حققناه من قبل!

***

في الماضي القريب كنا نرى المغاربة يرحلون للمشرق للحج والعلم والتجارة، وخصوصاً التونسيون، ومنهم بيرم التونسي الذي تمصر وبرع في النظم بالعامية المصرية. ومنهم الشيخ محمد الخضر حسين الذي ولد في تونس، وتعلم في جامع الزيتونة، وأصدر أول مجلة تظهر في تونس باللغة العربية وسماها «السعادة العظمى». لكنه رحل إلى الجزائر، ثم إلى سوريا، ومنها إلى مصر حيث استقر واستطاع أن يجد لنفسه مكاناً في الأزهر حيث اشتغل فيه بالتدريس حتى أصبح شيخاً له.

وفي الوقت الذي رحل فيه الشيخ الخضر، في السنوات الأولى من القرن العشرين، إلى سوريا ومصر، كان الإمام محمد عبده في طريقه لزيارة الجزائر وتونس عام 1903 وهو عائد من أوروبا.

ولا شك في أن أبا القاسم الشابي تأثر برومانتيكية المهجريين والمصريين وأصبح واحداً منهم، وبهذه الروح نظم قصائده الرائعة وأرسلها إلى مجلة «أبوللو» التي رحبت بها ونشرتها لتجد هذا الإعجاب الواسع الذي لقيته لدى القراء، ولا تزال تجده حتى الآن.

ونحن نتذكر لعميد الأدب العربي طه حسين رحلته التي قام بها عام 1957 تلبية للدعوة التي وجهها له الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة بعد أن صار رئيساً للجمهورية. وخلال تلك الرحلة ألقى محاضرة عنوانها «رحلة فنية». كما نذكر لطه حسين مقالة عن الروائي التونسي محمود المسعدي.

***

الواقع أن هذا النشاط المشترك، وهذا الحوار الثقافي المثمر الذي دار بين الأشقاء في هذا العصر بدأ في النصف الأول من القرن التاسع عشر مع رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي. وهذا ما سوف نتحدث عنه في المقالة المقبلة.كان عنوان مقالتي السابقة سؤالاً عن ثقافتنا العربية طرحته على نفسي وعلى القراء الأعزاء فقلت: ثقافة واحدة، أم ثقافات متفرقة؟ والحقيقة أنه تحذير من خطر يهددنا رأيت أن أعبر عنه بسؤال أطلب فيه إجابة نراجع فيها أنفسنا، ونستعيد وعينا بالدور الذي تؤديه ثقافتنا في ضم صفوفنا، ولم شملنا، وتوحيد كلمتنا لنواجه الخطر الذي لا يهدد الثقافة وحدها، وهي كيان حي يستمد حياته من وحدته التي تصله بماضيه الحافل، وتمكنه من حاضره الذي لا بد أن يستجمع فيه قواه، وتضيء له الطريق إلى مستقبل يستطيع أن يجد فيه مكاناً إلى جانب الثقافات الإنسانية الحية. فإن حققنا هذه الشروط التي نحمي بها ثقافتنا حققنا الشروط التي نحمي بها وجودنا وندعمه ونزوده بالطاقات التي تضمن له أن يتجدد، وأن يتقدم، وأن يزدهر. وهذا هو ما أعتقد أنه جوابنا جميعاً عن السؤال، فثقافتنا العربية ثقافة قومية واحدة، وليست ثقافات متفرقة، ولن تكون.

 

وإذا كنت قد بدأت مقالي بهذا السؤال الذي نقرر به المبدأ فقد ختمته بسؤال نلتفت به إلى الواقع لنرى ما يتفق فيه مع هذا المبدأ وما لا يتفق، وهكذا سألت نفسي أيضاً عما نعرفه نحن في المشرق العربي عن ثقافتنا في المغرب العربي، ثم أجبت فقلت: إننا لا نعرف إلا القليل عما يقدمه أشقاؤنا المغاربة، وأضيف إلى هذا أننا لم نعد نعرف إلا القليل عما قدموه للثقافة العربية في عصورها الماضية.

***

نحن لا نعرف إلا القليل مما يقدمونه في هذه الأيام، لأن وسائل الإعلام وأجهزة النشر عندنا وعندهم لم تعد للأسف معنية بتحقيق التواصل بين أقطارنا المختلفة. ولأنها لم تعد تؤدي وظيفتها فقدت مبرر وجودها.

المجلات الأدبية التي كانت تصدر قبل بضعة عقود وتجد من إقبال القراء ما يضاعف عددها ويرفع مستواها، لأن الإقبال على القراءة يجد لدى الكتّاب والشعراء إقبالاً على الكتابة والنشر، كما أنه ضمان للنجاح يحتاج له من يصدرون هذه المجلات ويتولون الإنفاق عليها. وفي أواسط القرن الماضي كان المصريون يصدرون حوالي عشرين مجلة ثقافية منها مجلة لفن الشعر، وعدة مجلات للقصة، وحوالي عشر مجلّات مفتوحة للشعر والقصة والنقد. ومن هذه المجلات «الرسالة» التي كان يصدرها أحمد حسن الزيات وكانت تصدر يوم الاثنين من كل أسبوع، و«الثقافة» وكان يصدرها أحمد أمين، و«الكاتب المصري» وكان يرأس تحريرها طه حسين.

وقد احتجبت هذه المجلات للأسف واحدة بعد الأخرى، وصدرت مجلات جديدة في عواصم عربية متفرقة، منها مجلة «الآداب» اللبنانية التي كان لها دور مهم في حركات التجديد في الخمسينات والستينات من القرن الماضي، ومنها «العربي» الكويتية، و«الأقلام» العراقية، وسواها من المجلات التي صدرت في المملكة العربية السعودية، واليمن، وسوريا، كما صدرت أيضاً عدة مجلات في مصر.

وإذا كانت هذه المجلات قد استطاعت أن تعرّف المغاربة بإنتاج المشارقة، فهي لم تستطع لأسباب مختلفة أن تعرفنا في المشرق بإنتاج أشقائنا المغاربة الذين عاشوا خلال القرنين الماضيين، والجزائريون خصوصاً، في منفى لغوي وثقافي حرمهم بعض الوقت من المشاركة في الحركة الثقافية العربية. غير أنهم لم يستسلموا لما كان المستعمرون الفرنسيون يسعون لفرضه، ولم يكفوا عن المقاومة، وظلوا يشاركون بالقدر الذي مكنهم من المحافظة على هويتهم، وانتزاع حريتهم واستقلالهم، وتقديم أعمال قيمة تثير الإعجاب وتستحق أن تحتل مكانها بجدارة في ثقافتنا المعاصرة كما نرى فيما يصل إلينا من هذه الأعمال، وهو قليل للغاية، فضلاً عن أنه لا يصل إلينا بانتظام. وهذا وضع غريب وغير مفهوم، لأنه يخالف ما كنا ننتظره ونتوقعه.

لقد رحل الاستعمار. واحتلت اللغة العربية مكانها في المغرب العربي، ونجحت الجزائر إلى حد كبير في تعريب التعليم والإدارة، واستعادت الثقافة العربية حضورها، وأنشئت لرعايتها الوزارات والمنظمات، وأصبحت حاجتنا لها في المشرق والمغرب أكثر إلحاحاً، وتطورت وتضاعفت وسائل النشر والاتصال دون أن يتحقق التواصل الذي كان منتظراً أن ينخرط فيه الجميع، وأن يتم بالصورة التي تتأكد بها وحدتنا الثقافية وتتجدد بالصورة التي لم تكن متاحة له في العقود الماضية. بل نحن نقارن ما كنا فيه قبل بضعة عقود بما صرنا إليه الآن فنرى أننا لم نصل إلى ما كنا نتمناه، ولم نحافظ حتى على ما حققناه من قبل!

***

في الماضي القريب كنا نرى المغاربة يرحلون للمشرق للحج والعلم والتجارة، وخصوصاً التونسيون، ومنهم بيرم التونسي الذي تمصر وبرع في النظم بالعامية المصرية. ومنهم الشيخ محمد الخضر حسين الذي ولد في تونس، وتعلم في جامع الزيتونة، وأصدر أول مجلة تظهر في تونس باللغة العربية وسماها «السعادة العظمى». لكنه رحل إلى الجزائر، ثم إلى سوريا، ومنها إلى مصر حيث استقر واستطاع أن يجد لنفسه مكاناً في الأزهر حيث اشتغل فيه بالتدريس حتى أصبح شيخاً له.

وفي الوقت الذي رحل فيه الشيخ الخضر، في السنوات الأولى من القرن العشرين، إلى سوريا ومصر، كان الإمام محمد عبده في طريقه لزيارة الجزائر وتونس عام 1903 وهو عائد من أوروبا.

ولا شك في أن أبا القاسم الشابي تأثر برومانتيكية المهجريين والمصريين وأصبح واحداً منهم، وبهذه الروح نظم قصائده الرائعة وأرسلها إلى مجلة «أبوللو» التي رحبت بها ونشرتها لتجد هذا الإعجاب الواسع الذي لقيته لدى القراء، ولا تزال تجده حتى الآن.

ونحن نتذكر لعميد الأدب العربي طه حسين رحلته التي قام بها عام 1957 تلبية للدعوة التي وجهها له الرئيس التونسي الحبيب بورقيبة بعد أن صار رئيساً للجمهورية. وخلال تلك الرحلة ألقى محاضرة عنوانها «رحلة فنية». كما نذكر لطه حسين مقالة عن الروائي التونسي محمود المسعدي.

***

الواقع أن هذا النشاط المشترك، وهذا الحوار الثقافي المثمر الذي دار بين الأشقاء في هذا العصر بدأ في النصف الأول من القرن التاسع عشر مع رفاعة الطهطاوي وخير الدين التونسي. وهذا ما سوف نتحدث عنه في المقالة المقبلة.

شريط الأخبار الموت يغيب أمير الغناء العربي الفنان هاني شاكر وزارة الداخلية: توقيف مشاركين باجتماع لجماعة الإخوان المحظورة بالعقبة الفوسفات على صفيح ساخن: المتقاعدون إلى الشارع في الشميساني مجدداً 14.8 مليون دينار حجم التداول في بورصة عمان القوات المسلحة تبدأ إجراءات الفحوصات الطبية للدفعة الثانية من مكلفي خدمة العلم الحكومة تقرّ إجراءات لتبسيط ترخيص المركبات عودة خطوط الاتصال الأرضيّة الخارجيّة في مستشفى الجامعة الأردنيّة إلى الخدمة بعدَ إصلاح العُطل الفنّي المومني: تخصيص 2 مليون دينار لصيانة طريق الرمثا في إربد حسان: ضخ 9 مليارات دولار في الاقتصاد الأردني العام المقبل أردني يحمل أحلام أطفال غزة إلى قمة جبل إيفرست محكمة استئناف عمان تنقل كوادرها بسبب اعمال الصيانة الأمن العام يحذر من الأجواء المغبرة خاصة على الطرق الخارجية 39 ألف أردني لديه أكثر من زوجة بدء التسجيل لامتحان الشامل في دورته الأخيرة هيئة النقل .. قرار تعديل أجور النقل العام ظلم وغياب للمساواة و أصحاب المسارات الطويلة أكلوها قاليباف: المرشد الإيرني مجتبى خامنئي طلب عدم بحث الملف النووي خلال المفاوضات مناشدة لأهل الخير: أب يصارع المرض وأربع طفلات ينتظرن الرحمة… قصة إنسانية تهز القلوب من سرير مستشفى في إربد مدير الشؤون الفلسطينية خرفان في حوار مع اخبار البلد: حرص الملك وتوجيهاته نهضت بالمخيمات وساهمت في ارتقاء واقعهم المعيشي، ولا فرق بين المخيم ومحيطه. 93.80 دينارا سعر الذهب عيار 21 بالسوق المحلية بتوجيهات مباشرة من رئيس الوزراء الضريبة تصرف رديّات ضريبة الدخل