وهنا نستذكر المثل البدوي: "من جاب نفسه للردى لا يلومها"، ومن ارتضى على نفسه الإهانة مدفوعة الأجر لا يحقّ له التذمّر أو ادّعاء الجهل بالتفاصيل؛ فالأغلب صار يعرف أن كلّ شيء مُتَّفق عليه منذ البداية، ولا يُنشر إلا بموافقة مدّعي وضع الضحية.
وعلى صعيد متّصل، امتدّ البلاء إلى الساحة الأردنية من خلال ممثّل مزعج الصوت؛ هناك من أوهمه أنه كوميديان خطير، وهو ليس أكثر من مهرّج ثقيل الظلّ عديم الموهبة، فرضته فضائية أردنية متخصّصة في ترويج الرداءة عبر ساعة من ثقل الظلّ والتهريج والسخافة. يتصرّف هذا "العبقري” باعتباره مقاول الكوميديا الأردنية وعميدها الحاكم بأمره؛ فيقرّب من يشاء ويستثني من يشاء. وقد تفتّق ذهنه هذا الموسم عن فكرة جديدة علّها تنقذه من مأزق التكرار، فأفسح المجال، من باب اليأس والإفلاس، لبعض مشاهير السوشال ميديا المعروفة بتدنّي مستواها وبذاءتها وابتذالها، وهي نماذج مكروهة في الشارع الأردني مهما حازت من الشهرة، لكنّه أقحمها وفرضها على المُشاهد باعتبارها فلتاتٍ كوميدية سوف "تكسّر الدنيا"... ما شاء الله!
وثمّة إعلامية يُفترض أنها كوميديانة لا يُشقّ لها غبار، اتخذت من ثيمة السخرية من المرأة الأردنية محتوى ثابتاً تستدرّ به الإعجاب. يخيّل إليها أنه محتوى مضحك رغم سفاهته وتطاوله وقلّة حساسيته وإساءته الصريحة إلى صورة المرأة من باب المزاج السميك اللزج؛ فقدّمت مقطعاً مستفزّاً تقارن به بين اللبنانية والمغربية والأردنية، لتصبّ المقارنة بطبيعة الحال لصالح الأخريات، ولتظهر المرأة الأردنية غبيةً بليدةً فظّةً جشعة، وذلك كلّه تحت ذريعة المزح والترفيه واللهو البريء.
مشاهد مؤسفة، بل مخجلة، في شاشاتنا، تكتسح وعي أجيال صغيرة وبسطاء وسُذّج، وتقترح عليهم نماذجَ هزيلةً رثّةً لأشخاص حقّقوا الشهرة والثراء بسبب "خفّة ظلّهم"، وصار حلم كثير منهم الظهور في برامج ترفيهية تحقيقاً لأمجادهم المزعومة.
تطرح مثل هذه المشاهد فهماً مغلوطاً لفكرة الكوميديا، وتعبّر عن يأس وتشبّث بعضٍ من المفلسين إبداعياً الذين يكرّرون التفاهات ذاتها موسماً بعد موسم، في ظلّ تواطؤ الجهات الإنتاجية التي تروّج الرداءة والبذاءة والإسفاف تحت شعار "نزولاً عند رغبة الجمهور"، أو بالمصري الفصيح: "الجمهور عايز كده". وليس لنا سوى أن نردّد في هذا الشهر الفضيل: اللهم عتقاً من الكوميديا العربية بأشكالها كلّها!