حين تولت الحكومة الدكتور جعفر حسان مسؤولياتها في الدوار الرابع سبقتها حالة واسعة من الترقب والاستبشار الشعبي. عززت تلك الحالة الجولات الميدانية والنزول المباشر إلى الشارع لتلمس نبض المواطن وملامسة همومه اليومية. كان الانطباع السائد يوحي بولادة نهج تنفيذي يعتمد الكفاءة المجردة والرشاقة الإدارية والقدرة على تفكيك الأزمات الاقتصادية والاجتماعية المتراكمة. غير أن معايير الحكم الرشيد لا تقف عند حدود الانطباعات الأولى أو سلامة النوايا بل تقاس بمدى اتساق القرارات اللاحقة مع التطلعات الشعبية وقواعد الرقابة والمساءلة.
توالي التعديلات الوزارية واتساع فجوة التساؤلات
تكرار التعديلات الوزارية في فترات زمنية متقاربة ودخول أسماء رافقتها علامات استفهام مجتمعية وبرلمانية حول ملاءمتها للمرحلة فرض واقعا سياسيا يكتنفه الغموض. إن إعادة تشكيل الفريق الوزاري ليست إجراء بيروقراطيا معزولا أو مجرد مناقلة للحقائب داخل الغرف المغلقة بل هي قرار سياسي استراتيجي يمس مباشرة إدارة مرافق الدولة ومصالح المواطنين.
لقد برزت مطالبات برلمانية وشعبية تدعو إلى إيضاح المعايير التي حكمت هذه الاختيارات إلا أن الردود جاءت في إطار التأكيد على الثقة بالفريق الوزاري واعتبار ما يثار مجرد إشاعات. وهنا تكمن المعضلة السياسية؛ فالتمسك بالصلاحية شيء وامتلاك الشجاعة لمخاطبة الرأي العام بالحقائق شيء آخر.
من منظور قانوني ودستوري يمتلك رئيس الوزراء الولاية العامة والصلاحية الكاملة في اختيار وزرائه والتنسيب بإجراء التعديلات اللازمة. لكن الفقه الدستوري المستقر يفرق دوما بين المشروعية الإجرائية المستندة للنص القانوني والمشروعية السياسية والشعبية التي تتطلب الشفافية والمكاشفة.
لا ينازع أحد الحكومة في صلاحياتها لكن الشارع الأردني ومعه مجلس النواب يمتلكان حقا أصيلا في المعرفة وتداول الحقائق عبر الإجابة عن أسئلة مشروعة:
ما هي التقييمات الرقمية ومؤشرات الأداء التي بني عليها استبعاد وزير واستقطاب آخر؟
ما هي الإخفاقات التي استدجبت التعديل وما هي الحلول البديلة التي يحملها الوزراء الجدد؟
كيف تتعامل السلطة التنفيذية مع الإجماع الشعبي والنيابي حين يشير بوضوح إلى مواطن الخلل؟
إن غياب التعليل الموضوعي للقرارات يفتح الباب واسعا أمام التكهنات ويضعف الجبهة الداخلية ويهز ثقة المواطن بمؤسساته. التعديل الحكومي الأخير لم يكن تفصيلا عابرا بل شكل محطة تستوجب خروجا صريحا لرئيس الوزراء إلى الرأي العام لتقديم رؤية واضحة ومقنعة تبين فلسفة هذا التغيير وأهدافه.
قوة رجل الدولة الحقيقية لا تتجلى في تجاوز الملاحظات أو التمسك بالقرارات بمعزل عن محيطها بل في القدرة على إقناع الشارع والاعتراف بمواطن التقصير وتغليب المصلحة الوطنية العليا على أية حسابات ضيقة. الشارع الأردني كان وما يزال شريكا أساسيا في تحمل أعباء الوطن والدفاع عن استقراره والشريك لا يترك في حيرة بل يخاطب بالمصارحة والشفافية التي تعيد للعمل العام هيبته ومصداقيته.






