بقلم الدكتور عصام الكساسبة
عضو مجلس نقابة المقاولين الأسبق
لم يكن قطاع الإنشاءات يوما قطاعا عاديا في الدولة الأردنية بل كان أحد الأعمدة التي قامت عليها مسيرة البناء منذ الاستقلال فمن خلاله شيدت المدارس والمستشفيات والجامعات والطرق والبنية التحتية ومن خلال رجاله ومؤسساته تحولت الرؤية الأردنية إلى واقع ملموس على امتداد الوطن
واليوم ونحن نحتفل بالعيد الثمانين لاستقلال المملكة الأردنية الهاشمية فإن الحديث عن قطاع الإنشاءات ليس ترفا اقتصاديا بل حديث عن قطاع وطني شكل جزءا من هوية الدولة الحديثة ومسيرتها التنموية
ورغم ما مر به الأردن من ظروف اقتصادية وإقليمية صعبة بقي هذا القطاع قادرا على الصمود والاستمرار مؤمنا برسالته الوطنية ودوره في دعم الاقتصاد وتشغيل آلاف الأسر الأردنية لكن الحقيقة التي لا يمكن تجاهلها أن السنوات الخمس الماضية شكلت مرحلة صعبة ومقلقة على القطاع ليس فقط بسبب الظروف الاقتصادية العامة بل نتيجة سياسات إدارية لم تنجح في قراءة احتياجات القطاع وطبيعة التحديات التي يواجهها
لقد شعر العاملون في قطاع الإنشاءات خلال السنوات الأخيرة بحالة من التراجع التدريجي في بيئة العمل والاستثمار نتيجة قرارات وإجراءات افتقدت في كثير من الأحيان إلى الرؤية التطويرية الشاملة وأدت إلى اتساع الفجوة بين متطلبات السوق وواقع الإدارة فبدل أن تبنى السياسات على دعم القطاع وتحفيزه باعتباره محركا اقتصاديا رئيسيا بدا أن العديد من القرارات انعكست سلبا على قدرته في الاستمرار والنمو
ومن موقع المسؤولية الوطنية فإن وزارة الأشغال العامة والإسكان بوصفها الجهة الراعية لقطاع الإنشاءات تتحمل الدور الأكبر في رسم السياسات العامة للقطاع وفي تحديد اتجاهاته المستقبلية ولذلك فإن تقييم واقع القطاع اليوم يفرض بالضرورة قراءة موضوعية للدور الإداري الذي أديرت من خلاله المرحلة السابقة ومدى نجاحه أو إخفاقه في حماية هذا القطاع الحيوي
ولا يمكن إنكار أن غياب الرؤية المستقبلية الواضحة والتباطؤ في مواكبة التحولات الاقتصادية وعدم بناء شراكة حقيقية مع العاملين في القطاع كلها عوامل ساهمت في حالة الإرباك والتراجع التي يعيشها القطاع اليوم فالإدارة الناجحة لا تقاس فقط بإدارة الملفات اليومية بل بقدرتها على صناعة الأمل وخلق بيئة استثمارية مستقرة وامتلاك مشروع تطويري حقيقي يستند إلى خبرات الماضي ويتطلع إلى المستقبل
إن قطاع الإنشاءات اليوم لا يحتاج إلى إدارة تقليدية تدير الأزمات بردود الأفعال بل يحتاج إلى عقلية حديثة تؤمن بالتطوير وتفكر بعين الدولة لا بعقلية الإجراءات الجامدة يحتاج إلى رؤية قادرة على إعادة الثقة وتحفيز الاستثمار وحماية الشركات الوطنية وفتح المجال أمام الكفاءات والخبرات التي صنعت تاريخ هذا القطاع
وفي عيد الاستقلال الثمانين فإن أبناء قطاع الإنشاءات وهم يستذكرون تاريخ هذا الوطن ومسيرة البناء يطالبون راعي القطاع ووزارة الأشغال العامة والإسكان بمرحلة جديدة عنوانها احترام العقد والالتزام بسيادة القانون ودفع المستحقات المالية للمقاولين وتنفيذ القرارات القضائية باعتبار أن استقرار القطاع يبدأ من احترام الحقوق والالتزامات بين جميع الأطراف
كما يطالب أبناء القطاع برسم خارطة طريق واضحة نحو مستقبل أفضل تقوم على الشراكة الحقيقية مع القطاع الخاص وتستند إلى رؤية اقتصادية وطنية قادرة على إعادة الثقة وتحفيز الاستثمار ووقف حالة التراجع التي أثقلت كاهل القطاع خلال السنوات الماضية
فالأردن الذي نجح في بناء دولة قوية رغم محدودية الموارد قادر أيضا على إعادة تصويب مسار قطاع الإنشاءات إذا توفرت الإرادة الإدارية والرؤية الوطنية الصادقة
ويبقى السؤال الذي يطرحه أبناء القطاع اليوم بكل مسؤولية ومحبة للدولة
هل نشهد في المرحلة المقبلة إدارة تستلهم تاريخ هذا القطاع لتبني مستقبله أم يبقى قطاع الإنشاءات يدفع ثمن سياسات لم ترتق إلى حجم التحديات والطموحات






