ليست كل الأزمات التي يعيشها المجتمع أمنية أو أخلاقية، فكثير منها يبدأ من الجيب قبل أن يصل إلى العقول والقلوب ، فحين يصبح تأمين لقمة العيش معركة يومية، وتتحول الوظيفة إلى حلم، والاستقرار إلى أمنية، فإن المجتمع بأسره يقف أمام منعطف خطير، لأن الفقر لا يهدد الاقتصاد وحده، بل يهدد منظومة القيم والاستقرار الاجتماعي.
لا أحد يبرر الخطأ، ولا أحد يقبل أن تتحول الضائقة المعيشية إلى مبرر للانحراف أو الاعتداء على القانون أو القيم ، لكن من الظلم أن نحاكم النتائج بينما نتجاهل الأسباب، وأن نكتفي بإدانة السلوك دون أن نسأل: من الذي هيأ البيئة التي سمحت بانتشاره؟
اليوم، يتخرج آلاف الشباب والشابات من الجامعات وهم يحملون شهاداتهم كما يحمل الجندي سلاحه، لكنهم يصطدمون بسوق عمل لا يتسع لهم ، سنوات من الدراسة تنتهي أمام عبارة واحدة: "لا توجد شواغر”. ومن يحالفه الحظ ويحصل على وظيفة، يجد نفسه أمام راتب لا يكفي لتغطية أساسيات الحياة، فكيف ببناء مستقبل أو تأسيس أسرة أو شراء منزل؟
لقد أصبح الزواج بالنسبة لكثير من الشباب مشروعًا مؤجلًا إلى أجل غير معلوم، لا بسبب ضعف الإرادة، بل لأن الواقع الاقتصادي يفرض معادلات قاسية لا ترحم. ففتح بيت يحتاج إلى إمكانات، والإمكانات غائبة، والدخل لا يواكب أبسط متطلبات الحياة.
ومع تراكم الإحباط، بدأت تظهر في مجتمعنا سلوكيات لم تكن مألوفة، وأصبحنا نسمع عن أفعال كنا نظن أنها بعيدة عن بيئتنا وقيمنا ،إنها ليست ظواهر وُلدت من فراغ، بل هي مؤشرات إنذار تستحق أن تُقرأ بعين المسؤولية، لا بعين الإنكار.
إن أسهل دور يمكن أن نؤديه هو إلقاء اللوم على هذا الجيل، ووصفه بأنه جيل مدلل أو ضعيف أو فاقد للقيم ، أما السؤال الأصعب فهو: ماذا قدمنا له؟
أين الخطط الوطنية التي تستثمر في طاقات الشباب؟ أين البرامج الاقتصادية التي تخلق فرص عمل حقيقية؟ أين المشاريع التي تمنحهم الأمل بدلًا من دفعهم نحو الإحباط؟ وأين السياسات التي تجعل البقاء في الوطن خيارًا ممكنًا لا مجرد شعار؟
إن مسؤولية الحكومات لا تقتصر على إدارة الأرقام والمؤشرات الاقتصادية، بل تمتد إلى حماية النسيج الاجتماعي ،فحين يعجز الشاب عن إيجاد عمل، أو يعجز عن الزواج، أو يشعر أن المستقبل أغلق أبوابه في وجهه، فإن المشكلة لم تعد فردية، بل أصبحت قضية وطنية بامتياز.
ولا شك أن الأسرة تبقى خط الدفاع الأول، لكن هذا الدور لم يعد بالقوة التي كان عليها. فالتكنولوجيا الحديثة، والانفتاح غير المسبوق، وتأثير المنصات الرقمية، إلى جانب بعض التشريعات التي حدّت – بقصد أو بغير قصد – من أدوات الأسرة التربوية، كلها عوامل جعلت مهمة الآباء والأمهات أكثر صعوبة من أي وقت مضى.
إن معالجة هذه التحديات لا تكون بخطب الوعظ وحدها، ولا بحملات اللوم والتخوين، بل بسياسات واقعية تعيد الاعتبار للعمل، وتحفظ كرامة الإنسان، وتمنح الشباب فرصة ليشعروا أن لهم مكانًا في وطنهم.
ويصدق في واقعنا اليوم بيت الشعر الذي تجاوز الزمن:
"ألقاه في اليم مكتوفًا وقال له
إياك إياك أن تبتل بالماء.”
ويظل القول العربي البليغ حاضرًا بكل معانيه: "إذا أردت أن تُطاع، فاطلب المستطاع.” فلا تطلبوا من الشباب ما يفوق طاقتهم، ولا تحاسبوهم على نتائج صنعتها ظروف قاهرة، قبل أن توفروا لهم الحد الأدنى من الحياة الكريمة.
وقبل أن نتسابق في إدانة هذا الجيل، علينا أن نقف أمام المرآة ونسأل أنفسنا بصدق: ماذا فعلنا ليبقى متمسكًا بقيمه؟ هل وفرنا له فرصة عمل تحفظ كرامته؟ وهل هيأنا له بيئة تمكنه من الزواج وتكوين أسرة مستقرة؟ وهل منحناه الأمل، أم تركناه يصارع البطالة وغلاء المعيشة وضباب المستقبل وحيدًا؟
إن الأوطان لا تُحمى بالشعارات وحدها، ولا تُبنى بالخطب الرنانة، وإنما تُبنى عندما يشعر المواطن أن كرامته مصانة، وأن تعبه سيقوده إلى حياة أفضل، وأن وطنه يفتح له الأبواب بدل أن يغلقها في وجهه.
فإذا أردنا مجتمعًا متماسكًا، فلا يكفي أن نحارب الانحراف بعد وقوعه، بل يجب أن نحارب أسبابه قبل أن تتحول إلى ظواهر يصعب احتواؤها ،فحماية الشباب ليست منّة من أحد، بل هي استثمار في حاضر الوطن ومستقبله.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يؤرق كل صاحب قرار، وكل مسؤول، وكل من يملك القدرة على صناعة التغيير:
قبل أن نسأل: لماذا تغيّر الشباب؟… لنسأل أولًا: ماذا فعلنا حتى لا يتغيّروا؟ وهل وفرنا لهم أسباب الحياة الكريمة، أم اكتفينا بمطالبتهم بالصبر بينما تضيق بهم سبل العيش يومًا بعد يوم؟.


