نستذكر قول المفكر الفرنسي ريمون آرون في وصف الرجال الذين صاغوا الدستور الأميركي "ان الله بعث بسبعة أنبياء دفعة واحدة الى أميركا" . أحد المشاركين توماس جيفرسون استشعر "دبيب الملائكة بين السطور" . المفكر الفرنسي الآخر الكسي دو توكفيل رأى الولايات المتحدة , في كتابه "الديمقراطية في أميركا" (1835 ) , "الفردوس الالهي الذي لا بد أن يحدث انقلاباً في المسار التوتاليتاري للتاريخ" !
قبل رحيله عام 2015 , سأل الكاتب الأميركي اللاتيني (الأورغواي) ادواردو غاليانو ما اذا كان "الغربان قد حلوا محل الأنبياء في تطبيق الدستور الأميركي" . لو كان في زمن دونالد ترامب لكان قد تغلب على بوب ودورد وروبرت كوستا في وصفهما له بـ"الكائن البشري الذي تخرج النيران من أذنيه" . القائل بـ"أننا نعيش في ذروة زمن التفاهة" , تحدث كثيراً عن الكاوبوي الذي يطلق النار على كل من في الحانة . الآن ذلك الكاوبوي الذي لا يطلق النار فقط على العالم . على أميركا "التي تقاتل وتقتل أميركا" !
ها هو يدعو , ومن فوهة البندقية , كلاً من السعودية والامارات وقطر وباكستان وتركيا ومصر والأردن والبحرين للالتحاق بـ"اتفاقيات أبرهام" , مع أن بعض هذه الدول انضم الى الاتفاقيات وبعضها عقد معاهدات سلام مع الدولة العبرية . رجل في أقصى حالات البارانويا حين يربط مصير الشرق الأوسط (الكبير) وحتى وجوده , بـ"مملكة يهوه" , فيما يمضي في تزويد بنيامين نتنياهو بكل ما يحتاجه لابادة اللبنانيين والفلسطينيين توطئة لابادة الشعوب الأخرى , ما يستدعي التعليق من السناتور بيرني ساندرز "وماذا يتبقى لنا أذا ما حولنا الشرق الأوسط الى مقبرة ؟" .
انه الدوران الأميركي حول الهيكل . حين قال زعيم الليكود بتغيير الشرق الأوسط , عقّب السفير الأميركي في القدس مايك هاكابي بالقول "التغيير بأبعاد توراتية" , ما يعني تغيير البنية الايديولوجية للمنطقة . وكنا قد كتبنا أن ايفانكا ترامب التي تحولت الى اليهودية الأرثوذكسية بتاثير من زوجها اليهودي جاريد كوشنر تتجول بالكعب العالي في رأس أبيها , اليوم نتساءل ما اذا كان يهوذا قد حل محل المسيح في راس الرئيس الأميركي .
في عام 2018 هدد بازالة كوريا الشمالية من الوجود بسبب ترسانتها النووية . في العام التالي شاهده العالم وهو يرقص التانغو مع كيم جونغ ـ أون . حقاً كيف لذلك الرجل أن يهدد سلطنة عمان , بالسياسات المتزنة وبالدور الديبلوماسي , بـ"نسفها" اذا "ما اتفقت مع ايران على ادراة مضيق هرمز" , مع أن موقف السلطنة , ومنذ البداية , كان في منتهى الوضوح حول وضع المضيق . وكانت صحيفة "يولاندس بوستن" الدانمركية قد رأت في ترامب لدى أثارة قضية جزيرة غرينلاند "قايين القرن" .
بالعيون العرجاء أو بالعيون الصماء لا يرى ترامب دولة في العالم (وليس فقط في الشرق الأوسط) سوى الدولة العبرية . لا بد أنه يقول أيضاً بـ"اسرائيل الكبرى" . الاسرائيلون يعتبرون أن ذلك لا يتحقق الا بالضربات النووية . للتو يعلق الأكاديمي اليهودي الأميركي نورمان فلنكشتاين "كما لو أنهم ينبشون قبر نبوخذنصر لاعادة السبي البابلي" . اعتبر "أن حجارة الهيكل لا بد من أن تتبعثر ليكون اليهود ليس أمام الهولوكوست الآخر وانما أمام الجحيم الآخر ..." .
لكن الى أين يمكن أن يذهب العقل التوراتي (الجنون التوراتي) بأميركا واسرائيل . رجلان "خارجان للتو من الغيب ولا صلة لهما لا بجدلية الأزمنة ولا بجدلية الأمكنة" (عبقرية المكان) , كما يرى فلنكشتاين الذي يتحدث عن الزلزال الذي يمكن أن يحدثه الذكاء الاصطناعي في البنية الاستراتيجية للعالم . مع علمنا أن روسيا والصين لا يمكن أن تقبلا بتفكيك الجمهورية الاسلامية , بالتالي تحول الشرق الأوسط الى مستوطنة أميركية . هنا نتوقف عند سؤال توماس فريدمان في "النيويورك تايمز" "كم كأساً مرّة سيتجرعها دونالد ترامب في حرب ايران ؟" .
انه الدوران السيزيفي في الحلقة المقفلة . المفكر الصيني وانغ هواي الذي يذهب على متن دراجة هوائية من الطراز القديم الى الجامعة , يقول " الحمقى وحدهم يعتقدون أن باستطاعة رجل واحد أو دولة واحدة ادارة الكرة الأرضية , بتضاريسها التاريخية والايديولوجية الهائلة .اذ لاحظ "أننا على بعد خطوة من الدخول الى الحقبة ما بعد التكنولوجيا . تلقائياً ما بعد الايديولوجيا" , يرى أن تراباً كثيراً يهال على الآلهة وكذلك على الأباطرة ...
دعوته الى الأميركيين "لا تقلدوا الشيطان في قيادة العالم" !!





