فوضى المحتوى

فوضى المحتوى
عاطف أبوحجر
أخبار البلد -  
يبدو أن صناعة المحتوى عندنا لم تعد مجرد مهنة، بل تحولت إلى قطاعٍ يمسّ الذوق العام والوعي المجتمعي مباشرة. فلم يعد مستغربًا أن يفتح أي شخص الكاميرا، ويصوّر فنجان قهوة، ثم يتحدث ثلاث دقائق عن "عمق النكهة” و”هوية المكان” و”رحلة الحواس”، وكأن البشرية تنتظر هذا الاكتشاف العظيم.

خصوصًا بعدما أصبح مستقبل الناس معلّقًا بتقييم قطعة كنافة، وكمية الجبن الذائبة التي تخرج منها بالحركة البطيئة، بينما يقف صاحب المحتوى أمام الكاميرا وكأنه يعلن اكتشاف علاجٍ للأمراض المستعصية، لا افتتاح محل في آخر الشارع.

وها هي هيئة الإعلام، مشكورة، تعلن قرارات الترخيص للممارس المحترف وتجديده السنوي، بينما مُنح الهواة تخفيضًا كريمًا، ربما تقديرًا لمعاناتهم أثناء تصوير القهوة من زاوية 45 درجة مع أغنية حزينة في الخلفية.

لم يعد المحتوى مجرد هواية، بل أصبح هوسًا ومصدر رزق سهلًا؛ يبدأ من افتتاح مطعم شاورما، وينتهي عند تجربة عطر برائحة "خشب الصندل مع لمسة فانيلا وطفولة مؤلمة”.

الكثير من صنّاع المحتوى في الأردن يستيقظون يوميًا وهم يحملون على أكتافهم مسؤولية "اكتشاف ألذ تشيز كيك في العاصمة”، وكأن الاقتصاد متوقف على كمية البسكوت والزبدة وعدد الطبقات.

تفتح هاتفك صباحًا، فتجد شابًا يصرخ بحماس: "يا جماعة لازم تجربوا هالمكان!” فتظن للحظة أنه يتحدث عن مشروع وطني أو مركز أبحاث، لتكتشف في النهاية أنه يقف أمام محل خضار وفواكه يتحدى صاحب الحسبة، أو معرض ملابس مكسور إيجاره منذ شهرين.

أما الإنجازات الحقيقية، فتبدو وكأنها مادة غير قابلة للتصوير.
إنجاز علمي؟ لا مشاهدات.
شاب ابتكر تطبيقًا مفيدًا؟ المحتوى "ناشف”.
طالب تفوق رغم الظروف؟ لا توجد موسيقى مناسبة للمشهد.
أما الإنجاز الفني أو الرياضي، فغالبًا يُهمَل أو يُحارَب.

وفي المقابل، حين تنظر إلى صفحات مؤثرين في دول أنهكتها الحروب والأزمات، ترى مدارس تُرمَّم، وشوارع تُضاء، ومبادرات صغيرة تخرج من بين الركام وكأنها تقول للناس: "ما زلنا نحاول”.

هناك تشعر أن الكاميرا ليست أداة لتصوير الطعام فقط، بل نافذة لبث فكرة، وزراعة أمل، وصناعة مزاج عام يؤمن بأن البناء ممكن.

فالناس ترتفع معنوياتها حين ترى شيئًا يُبنى أمامها. وحين يصبح الإنجاز جزءًا من المشهد اليومي، حتى لو كان صغيرًا، يبدأ الأمل بالتسلل إلى النفوس دون خطب رنانة أو شعارات مستهلكة.

ما ينقصنا ليس المال ولا الكاميرات الحديثة، بل الفكرة؛ أن ينتقل بعض المؤثرين من مطاردة "الترند” إلى مطاردة المعنى، وأن يكتشفوا أن الوطن ليس فقط طبق منسف يُصوَّر من الأعلى، ولا فنجان قهوة يتصاعد بخاره أمام العدسة ببطء.

ليس المطلوب تجميل الواقع أو بيع الأوهام، بل فقط الإشارة إلى الأشياء التي تستحق أن تُرى: طالب متفوق، حرفي مبدع، مشروع صغير يقاوم، أو شارع عاد إليه الضوء بعد سنوات من العتمة.

لأن المحتوى، شئنا أم أبينا، لم يعد مجرد تسلية، بل صار يصنع المزاج العام، ويحدد ما الذي يستحق الاهتمام… وما الذي يُدفن في الزحام.

أما إذا بقيت رسالتنا الحضارية محصورة بين "أقوى برغر في الشرق الأوسط” و”أغرب قهوة جربتها بحياتي”، فقد يأتي يوم نحتاج فيه فعلًا إلى ترخيص… ليس لصناعة المحتوى، بل لصناعة التفاهة نفسها.

وفي النهاية، لا أحد ضد الضحك والترفيه والطعام الجميل، فالحياة ليست نشرة أخبار كئيبة. لكن بين لقمة البرغر وصورة القهوة، هناك وطن كامل يستحق أن يُروى.

فالأوطان لا تُبنى بعدد المشاهدات، ولا تُقاس بكمية الجبن الذائبة في إعلان عابر، بل بما تزرعه في عقول الناس من معنى، وما تتركه في أرواحهم من أمل.

فإما أن تكون الكاميرا نافذةً على وعيٍ يُبنى… أو مجرد مرآةٍ تعكس تفاهة البعض بدقةٍ أعلى.
شريط الأخبار انخفاض أسعار الذهب محليا إلى 82.50 دينارا للغرام البنك المركزي يقرر تثبيت أسعار الفائدة على جميع أدوات السياسة النقدية أوغندا.. القبض على شخص بتهمة قتل 38 شخصا وأكل لحومهم السير تحذر من القيادة بعكس الاتجاه .. مخالفة 250 دينارا وحجز 14 يوما إعلان هام جدا لطلبة المنح في جامعات الجنوب إثيوبيا.. توقيف مشتبه بهم بتسميم رجل أعمال إسرائيلي عثر عليه جثة في مطعم بأديس أبابا مناهجنا تعاني من "الحشو الزائد" لنيل المكافآت المادية.. شكاوى الأهل الحالية تفضح ما كشفه وزير التعليم سابقاً! خمسة سيناريوهات لتشكيل الحكومة وسط مأزق نتنياهو وأيزنكوت تايسون و"أرطغرل" يصلان إلى الأردن للمشاركة في أسبوع الفنون القتالية الأردن التفاصيل طقس لطيف الحرارة اليوم واحتمال هطول أمطار خفيفة شمالي المملكة الملك يفتتح الدورة العادية الـ 3 لمجلس الأمة بخطاب العرش السامي.. الاثنين بدء فرز الأصوات المتبقية في انتخابات الكنيست .. وترقب للنتائج النهائية وفيات الخميس 29-10-2026 الهلسة: ترحيل ذوي الإرهابيين درءاً للتوترات الطيبي يضع أصوات العرب في معادلة إسقاط نتنياهو الفيدرالي الأميركي يثبت أسعار الفائدة في اجتماعه قبل الأخير للعام الحالي الخارجية السورية: استدعاء السفير الأردني وتسليمه مذكرة احتجاج على قصف مواقع في محافظة درعا أسرة الاتحاد الأردني لشركات التأمين تحتفل بمناسبة تسلم المهندس ماجد سميرات رئاسة مجلس الاتحاد العام العربي للتأمين ونجاح مؤتمر GAIF35 نيوتن للتأمين ترسّخ حضورها في معرض ومؤتمر العمليات الخاصة «سوفكس 2026» "صناعة عمّان" و" التدريب المهني" تبحثان سبل تعزيز تشغيل الأردنيين في القطاع الصناعي