يشكّل القضاء في أي دولة الركيزة الأساسية لضمان سيادة القانون، وصون الحقوق والحريات، وحماية المجتمع من الفوضى والاعتداء على الحقوق. وفي الحالة الفلسطينية، تتضاعف أهمية القضاء باعتباره المؤسسة الوطنية التي يلجأ إليها المواطن في ظل ظروف سياسية واقتصادية وأمنية معقدة؛ ما يجعله الحصن الأخير للعدالة والضامن لاستقرار المجتمع.
غير أن ما تشهده الساحة القضائية الفلسطينية في السنوات الأخيرة من تحديات متراكمة، سواء على مستوى الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية للقضاة، أو على مستوى تراكم القضايا وطول أمد التقاضي، يثير تساؤلات جدية حول قدرة هذا المرفق الحيوي على الاستمرار بالقيام بدوره بالكفاءة المطلوبة.
== القضاء ليس بمنأى عن الأزمات العامة
القاضي الفلسطيني، شأنه شأن باقي أبناء الشعب الفلسطيني، يعيش في أرض محتلة تحت تأثير الأزمات الاقتصادية، وتأخر الرواتب، وارتفاع تكاليف المعيشة، وصعوبات الحركة والتنقل، فضلاً عن الضغوط النفسية الناتجة عن الواقع العام. إلا أن خصوصية موقعه ومسؤوليته تتطلب أن يكون في أعلى درجات الاتزان الذهني والمهني، لأن أي خلل في بيئته العملية أو ظروفه الحياتية ينعكس بصورة مباشرة أو غير مباشرة على جودة العدالة وسرعة إنجازها.
ومن هنا، فإن أي حادثة تعكس حجم الضغوط التي يعيشها القضاة، بما في ذلك تأجيل جلسات أو تعطيل البت في بعض القضايا نتيجة ظروف استثنائية، يجب أن تُقرأ باعتبارها مؤشراً على أزمة أعمق، لا مجرد حالات فردية معزولة.
حين تتراجع ظروف العمل داخل المحاكم، أو تتكدس الملفات، أو يطول أمد النزاع، فإن المتضرر الأول هو المواطن الذي ينتظر إنصافه. فالتقاضي البطيء قد يتحول إلى شكل من أشكال إنكار العدالة، وتأخر الأحكام قد يعني ضياع حقوق، خاصة في القضايا المدنية والعمالية والأسرية والجزائية.
كما أن تراجع ثقة الجمهور بالمؤسسات القضائية ينعكس سلباً على الاستقرار المجتمعي، لأن المواطن حين يفقد ثقته بالمحكمة قد يبحث عن بدائل خارج إطار القانون، وهو ما يهدد السلم الأهلي ويضعف هيبة الدولة.
== الحاجة إلى إصلاح شامل
إن معالجة التحديات التي تواجه القضاء الفلسطيني لا تتم من خلال حلول جزئية أو إجراءات إدارية مؤقتة، بل عبر رؤية إصلاحية شاملة تعيد الاعتبار للسلطة القضائية، وتعزز استقلالها، وتوفر مقومات العمل الكريم للقضاة وأعضاء النيابة وموظفي العدالة كافة.
== قراءة في الواقع وتحذير مبكر
إن ما وصلنا إليه اليوم يعيد إلى الأذهان ما كان يردده المرحوم سعادة الجلاد، حين قال ذات يوم بعبارة استشرافية لافتة: «وفّروا الدموع ليوم الدموع»، في إشارة إلى مخاطر الوصول إلى أزمات سياسية واقتصادية واجتماعية متراكمة إن لم تُعالج في وقتها.
== الخلاصة
القضاء الفلسطيني يمثل ركيزة أساسية لصمود المجتمع وحماية الحقوق، والحفاظ عليه وتعزيز مكانته يُعدّ استثمارا في مستقبل الدولة والمجتمع، ورسالة بأن القانون سيبقى فوق الجميع، وأن العدالة، رغم كل الصعوبات، يجب أن تبقى صامدة.







