ماذا لو كان هرمز في فلسطين؟

ماذا لو كان هرمز في فلسطين؟
رجاء حلبي
أخبار البلد -   سؤال يبدو للوهلة الأولى أقرب إلى لعبة جغرافية عبثية، لكنه في عمقه يكشف عن مفارقة سياسية وأخلاقية حادة: ماذا يحدث حين يتحول موقعٌ جغرافي إلى قدرٍ تاريخي؟ وحين تصبح المضائق أكثر من مجرد ممرات مائية، بل اختناقات للمعنى نفسه؟
لو كان مضيق هرمز في فلسطين، لربما لم نكن سنسميه "مضيقًا" أصلًا، بل "اختبارًا دائمًا للأعصاب"، أو "نقطة اشتباك كوني"، أو—وهنا تبدأ السخرية—"ممرًا إنسانيًا مشروطًا بموافقة من لا يعترف بإنسانيتك". كان سيغدو مكانًا لا تعبره السفن فحسب، بل تمرّ عبره أيضًا خطابات التهديد، ومسرحيات الردع، وبلاغات المجتمع الدولي التي تبدأ بالقلق وتنتهي بالصمت.
في العالم كما هو، يُنظر إلى هرمز بوصفه شريانًا حيويًا للاقتصاد العالمي، أي اضطراب فيه يرفع أسعار النفط، ويستدعي اجتماعات عاجلة، ويحرّك الأساطيل. أما لو كان في فلسطين، فربما كان سيُعاد تعريفه: لن يكون شريانًا عالميًا، بل "تفصيلًا محليًا معقّدًا"، ستُعاد صياغة اللغة، كما يحدث دائمًا؛ فبدل أن يُقال "تهديد للملاحة الدولية"، سيُقال "توتر أمني"، وبدل "حصار"، سيُقال "إجراءات تنظيمية".
لو كان هرمز في فلسطين، لربما لم تكن أزمة العبور مجرد مسألة سيادية أو أمنية، بل كانت ستتحول إلى تجربة يومية للانتظار الوجودي، انتظارٌ لا يُقاس بالساعات، بل بما يراكمه في الداخل من شعور بالعجز المُقنّن؛ فكما يقف الناس على الحواجز، لا لسبب واضح دائمًا، بل لأن "النظام" يقتضي ذلك، كانت السفن أيضًا ستدخل في طقسٍ مشابه: طقس التأجيل المفتوح، حيث لا أحد يعرف متى يتحرك الدور، ولا لماذا يتوقف. هنا، لا يعود الزمن خطيًا، بل دائريًا، يلتف حول نفسه كما تلتف الطرق الالتفافية حول المدن.
هنا تبدأ السخرية الثقيلة: ليست الجغرافيا وحدها ما يتغير، بل الحساسية الأخلاقية للعالم، فالقيمة لا تُقاس بالمكان، بل بمن يسكنه. ولو كان هرمز في فلسطين، لأصبح اختبارًا إضافيًا لقدرة العالم على التكيّف مع التناقض: كيف يمكن لممرٍ حيوي أن يكون محاصرًا؟ كيف يمكن للسيادة أن تكون مؤجلة إلى أجل غير مسمى؟ وكيف يمكن للحديث عن القانون الدولي أن يتعايش مع استثناء دائم لا يُسمّى استثناء؟
في هذا السياق، سيكون للمصطلحات دورها الحاسم في إعادة تشكيل الواقع؛ فبدل أن يُقال إن هناك "تعطيلاً لحركة التجارة العالمية"، ستُنتج لغة جديدة أقل حدة وأكثر قابلية للهضم: "تباطؤ مؤقت"، "إجراءات احترازية"، "تنظيم عبور". اللغة هنا لا تصف الواقع، بل تُعيد هندسته أخلاقيًا، فتخفف من وطأته، وتُطبع الاستثناء حتى يصبح قاعدة، وهكذا، يتحول الاختناق من حالة طارئة إلى وضع مستقر، يُدار لا يُحل.
في هذا السيناريو المتخيّل ستتضاعف المفارقات؛ ستقف السفن في طوابير الانتظار، ليس فقط بسبب التوتر العسكري، بل ربما بسبب "إجراءات تفتيش طويلة الأمد"، أو "تأخير إداري غير مقصود". وستُطلب تصاريح لعبور الماء، كما تُطلب اليوم لعبور الطرق، وسيصبح البحر نفسه مساحة خاضعة للتأويل: هل هو بحر مفتوح أم "منطقة أمنية"؟ هل المرور فيه حق أم امتياز؟
ولو كان هرمز في فلسطين، لربما ظهرت طبقة كاملة من "اقتصاديات الالتفاف"، لن تبقى المسارات المباشرة هي الخيار الوحيد، بل ستُخترع طرق بديلة أكثر كلفة وأطول زمنًا، لكنها أقل احتكاكًا بالمنع. كما يفعل الناس يوميًا حين يختارون طريقًا أطول لتجنب حاجزٍ ما، ستفعل السفن الشيء نفسه: ستدفع أكثر، تنتظر أكثر، لكنها تتجنب الاصطدام المباشر مع نظام لا يمكن التنبؤ به. هنا، لا يُعاد تشكيل الجغرافيا فقط، بل يُعاد تشكيل المنطق الاقتصادي ذاته، بحيث يصبح الهدر جزءًا من "الكلفة الطبيعية".
لكن الأهم من كل ذلك، أن هرمز الفلسطيني لن يكون مجرد موقع جغرافي، بل مرآة مكبّرة لحقيقة أعمق: أن العالم لا يتعامل مع الوقائع كما هي، بل كما يريد أن يراها. فالمكان ذاته، لو تغيّر سياقه السياسي، يتغير معه تعريف الخطر، وحدود التعاطف، وسقف الرد.
في هذا المشهد سيبرز سؤال العدالة بوصفه سؤالًا مؤجلًا دائمًا، لن يُطرح بوصفه أولوية، بل بوصفه ترفًا نظريًا يمكن تأجيله إلى حين "استقرار الأوضاع"، لكن هذا الاستقرار لن يأتي، لأنه مشروط بمنظومة تستفيد من غيابه. وهكذا، تصبح العدالة وعدًا مؤجلاً يُستدعى في الخطابات، ويُغيّب في السياسات، وكأن العالم يقول ضمنًا: يمكن للاقتصاد أن ينتظر دقائق، لكن الإنسان يمكنه أن ينتظر عقودًا.
ولو كان هرمز في فلسطين، لربما رأينا كيف تتحول الأولويات العالمية، هل كانت القوى الكبرى ستسمح باضطراب طويل الأمد في تدفق الطاقة؟ أم كانت ستتدخل سريعًا، بحزم لا يحتمل التأجيل؟ وإذا كان الجواب هو التدخل، فلماذا يتأخر في أماكن أخرى حيث المعاناة أقل تأثيرًا على الأسواق وأكثر تأثيرًا على البشر؟
هنا، يصبح السؤال الفلسفي أكثر إلحاحًا: هل قيمة الأشياء تُقاس بذاتها أم بعلاقتها بالمصالح؟ وهل العدالة مفهوم كوني فعلًا، أم أنها تتشكل وفق خرائط النفوذ؟
في عالمٍ يكون فيه هرمز في فلسطين، سنكتشف ربما أن الجغرافيا ليست بريئة، وأن الخطوط على الخرائط ليست مجرد حدود، بل أنظمة توزيع غير مرئية للقيمة والاهتمام، سنرى كيف يمكن لمضيق واحد أن يكشف ازدواجية كاملة: ازدواجية في اللغة، وفي القانون، وفي ردود الفعل، بل وحتى في تعريف ما هو "أزمة" وما هو "وضع طبيعي".
وربما، في ذروة هذا التخيّل، سنرى كيف يُعاد تعريف "العادي"، سيصبح وجود الحواجز في البحر أمرًا مألوفًا، كما أصبح وجودها على الأرض، وسيُنظر إلى أي انسياب حرّ على أنه استثناء يستحق الاحتفاء، لا حقًا بديهيًا. هنا تكمن المفارقة الأشد قسوة: حين يُعاد تعريف الطبيعي بحيث يتسع للاختناق، ويضيق بالحرية.
وقد يكون أكثر ما يثير السخرية—المرّة لا الخفيفة—أن هذا العالم سيتكيّف بسرعة، ستُكتب تقارير، وتُعقد مؤتمرات، وستُطرح مبادرات "لإدارة الأزمة"، لا لحلها. سيصبح الاختناق جزءًا من المشهد، كما أصبح غيره، وستتعلم السفن الانتظار، كما تعلّم البشر الانتظار قبلها.
لو كان هرمز في فلسطين، لكان درسًا مكثفًا في كيفية تكيّف العالم مع ما لا ينبغي التكيّف معه؛ ليس لأن العالم عاجز، بل لأنه يختار—بوعي أو بدونه—أن يعيد ترتيب أولوياته وفق ما يخدم استقراره لا عدالته. عندها، لن يكون السؤال فقط عن موقع المضيق، بل عن موقع الضمير: أين يقف حين تتقاطع المصالح مع القيم؟ وأي كفّة ترجح حين يصبح الاختيار مكلفًا؟
في النهاية، لا يتعلق الأمر بهرمز بقدر ما يتعلق بنا: بكيف نرى، وكيف نبرر، وكيف نختار أن نتحرك أو ألا نتحرك. السؤال ليس ماذا لو كان هرمز في فلسطين، بل: لماذا يتغير معنى هرمز حين نغيّر مكانه؟ وما الذي يقوله ذلك عن العالم الذي صنعناه، أو قبلنا به؟
ربما الإجابة ليست مريحة. لكنها، على الأقل، صادقة بما يكفي لتزعجنا.
==================================
ولو كان هرمز في فلسطين، لربما رأينا كيف تتحول الأولويات العالمية، هل كانت القوى الكبرى ستسمح باضطراب طويل الأمد في تدفق الطاقة؟ أم كانت ستتدخل سريعًا، بحزم لا يحتمل التأجيل؟ وإذا كان الجواب هو التدخل، فلماذا يتأخر في أماكن أخرى حيث المعاناة أقل تأثيرًا على الأسواق وأكثر تأثيرًا على البشر؟
شريط الأخبار أمانة عمّان: 5600 كاميرا للرصد المروري و25% منها فقط للمخالفات بورصة عمّان تغلق تداولاتها الأربعاء على ارتفاع وفاة عائلة كاملة خلال ساعات بعد تناول بطيخ.. الأطباء يوضحون مصنع أنابيب باستثمار أميركي-هندي بـ125 مليون دولار لدعم الناقل الوطني للمياه محافظ البنك المركزي يكرّم رغد فوزي شرف تقديراً لإسهاماتها في القطاع المالي والمصرفي وزارة الأشغال تبدأ تنفيذ مسارات للمشاة والدراجات على طريق المطار.. وإغلاق جزئي لـ60 يوما السجن 5 سنوات لصاحب "سوبر ماركت" تحرش بقاصر عمر عكروش عمدة الفحيص .. ضمير متصل وقلب كبير وجبل لا تهزه ريح الضمان الاجتماعي: 1.655 مليون مشترك فعّال بينهم 1.4 مليون أردني النائب د بيان المحسيري تمطر وزير التعليم العالي باسئله حول انتخابات اتحاد الطلبه واسسها ولي العهد خلال تخريج خدمة العلم: الخوف لم يكن يوما من شيم الأردنيين صوت الأردن عمر العبداللات نجم إفتتاح مهرجان جرش 2026 المرصد العمالي: مزيد من الضغوط على سوق العمل الأردني في ضوء التطورات الجيوسياسية في المنطقة الضريبة: الأحد آخر موعد لتقديم إقرارات ضريبة الدخل عن 2025 الهيئة العامة لشركة البوتاس العربية تصادق على توزيع حوالي (100) مليون دينار كأرباح نقدية انخفاض أسعار الذهب محليا 40 قرشا.. وعيار 21 عند 93.2 دينارا للغرام الرياطي والنمور فتح تصدير الاغنام يثقل كاهل المواطن ويرفع اسعار اللحوم بشكل جنوني شركة حديد الأردن من النجاح إلى الفشل والتعثر وصولًا إلى الإعسار.. من يتحمل المسؤولية؟ سمير العيسى قائماً بأعمال البنك العربي الإسلامي الدولي دورة برلمانية اتسمت بالانجاز والقاضي احتوى جميع أطياف المجلس