المستقبل القريب للمشروع النووي الايراني
وليد عبد الحي
من بين المؤشرات الاولية في مجال السلاح النووي انه ينتشر عالميا ، فمنذ 1945(امتلاك واستخدام الولايات المتحدة له) الى الآن (حوالي ثمانين سنة) ارتفع العدد المؤكد الى 9 دول موزعة في امريكا الشمالية وآسيا وأوروبا، بينما كانت جنوب افريقيا ضمن المالكين له (6 قنابل) حتى نهاية الثمانينات من القرن الماضي، لكنها فككت مشروعها النووي عام 1991 وانضمت لمعاهدة منع الانتشار..ذلك يعني ان الاتجاه الاقوى هو التزايد في اعضاء النادي الدولي بمعدل افتراضي يصل الى ان هناك انضمام لدولة جديدة كل عقد تقريبا.
و بتتبع استراتيجيات الوصول للقوة النووية، نجد ان هناك عدد من الاستراتيجيات في موضوع السلاح النووي :
أ- استراتيجية الردع الصريح :الامتلاك والاعلان عن ذلك(كما هو حال الدول التسع)
ب- استراتيجية الردع الكامن(Latent Deterrence): بلوغ مرحلة القدرة على انتاج السلاح النووي بسرعة دون الاعلان الصريح عن الامتلاك، وهو النموذج الاقرب للحالة الايرانية او اليابانية او الالمانية ..الخ.
ت- الردع الممتد(Extended Deterrence) وتعني الاطمئنان لمظلة نووية تمتلكها احدى الدول وتتعهد بحماية الدولة غير النووية كما هو الحال في كوريا الجنوبية التي تعمل ضمن الحماية الامريكية من خطر كوريا الشمالية.
ث- الغموض الاستراتيجي: امتلاك السلاح النووي وعدم الاعتراف بذلك كما في اسرائيل، ولكن تكريس القناعة لدى العالم بانها نووية دون اعتراف بذلك.
ويتمثل المشهد الايراني القائم في المجال النووي في معطيات شبه متفق عليها بين الباحثين وهي:
أ- وجود قاعدة علمية بشرية تضم آلاف العاملين في المجال النووي "المدني" من تخصيب او هندسة او بحث علمي..الخ، وهناك المئات من هؤلاء من العلماء ممن بلغوا مستويات علمية متقدمة جدا بينهم العشرات من ذوي الصلة بالدوائر الاستراتيجية النووية الايرانية، ويكفي الاشارة الى ما اورده العالم الفنسي ايمانويل تود بان 66% من الايرانيين يحصلون على الدكتوراة من الجامعات الامريكية في مجال العلوم والهندسة.
ب- هناك تعاون مؤكد بين ايران وكوريا الشمالية ، فكوريا الشمالية انسحبت من معاهدة عدم الانتشار عام 2003 ،وبدأت تجاربها النووية المعلنة منذ 2006، وتتعاون مع ايران في تبادل الخبرات ، وفي نسخ تصاميم الصواريخ الكورية الشمالية كما هو حال الصاروخ شهاب(نسخة من صاروخ نودونغ الكوري)، ناهيك عن تداول تقارير في مجال تطوير الوقود الصلب ومديات الصواريخ، واختبارات التفجيرات عالية الدقة والمرتبطة بتصميم الرؤوس النووية.
ت- تتقارب الدولتان من زاوية "عدو عدوي صديقي"، فهما دولتان تخضعان لعقوبات امريكية او دولية ،ولديهما نظرة مشتركة تجاه الولايات المتحدة، وهو ما يتشابه من الناحية " النظرية " في التعاون التقليدي الذي كان قائما بين اسرائيل وجنوب افريقيا زمن التمييز العنصري ، فالتعاون العلمي امر مؤكد بين ايران وكوريا الشمالية ،لكننا لا نستطيع استبعاد تام لاحتمال "سلاح نووي ايراني مخزن في كوريا الشمالية" رغم صعوبة اخفاء مثل هذا البعد، او ان يكون هناك مواد ايرانية معينة مخزنة في كوريا الشمالية، فالنظام العنصري واسرائيل في فترة التعاون بينهما كانا في حالة عزلة دولية كالتي تعيشها ايران وكوريا الشمالية رغم الفارق الكبير في توجهات الفريقين دوليا.
ثمة بعد آخر لا يجوز الاستهانة به ، ونعني بذلك وجود فتوى شرعية "بتحريم امتلاك ايران للسلاح النووي"، وهي فتوى من الولي الفقيه بكل ما للولي الفقيه من وزن في القرارات الاستراتيجية للدولة، ولكن من الضروري التنبه لأمرين هنا:
أ- ان التحريم غير منصوص عليه في الدستور الايراني ،ومع الاقرار بالوزن الكبير للفتوى لكنها لا تشكل قيدا دستوريا، مما يوفر مخرجا يمكن استغلاله.
ب- احتمال تجاوز الفتوى عبر طرق ثلاث هي:
1- اعادة تفسير الفتوى بالتمييز بين الامتلاك من ناحية والاستخدام من ناحية ثانية، وتبرير ذلك بان الامتلاك للردع لا للاستخدام.
2- ان تغير الظروف توفر فضاء جديدا لتفعيل القاعدة الفقهية "الضرورات تبيح المحظورات".
3- اللجوء لمجلس تشخيص مصلحة النظام ، وهو الهيئة المعنية بتحديد"مصلحة النظام " في القضايا الاستراتيجية ، وهو ما يعني ان المجلس يمكن ان يوفر الغطاء المؤسسي للولي الفقيه لتغيير التوجه الاستراتيجي في المجال النولي انطلاقا من " مصلحة النظام "، وقد سبق لمجلس تشخيص مصلحة النظام ان حسم الخلاف بين مؤسسات الدولة المركزية في العديد من القضايا (مثل قوانين العمل والضرائب..الخ)، فالمجلس لا يلغي الفتوى ،ولكنه قد يطرحها كتأويل من باب التوصية للولي الفقيه، وهو ما يمكن ان يرتكز عليه الولي الفقيه لقرار جديد.
الخلاصة:
تدل كافة التقارير والبحوث العلمية في موضوعنا على ان ايران بلغت مرحلة "العتبة النووية" ،فهي تمتلك معرفة متطورة في التخصيب العالي، ولديها بنية صاروخية متقدمة ، وهو ما يجعلها توظف الموضوع النووي ضمن سيناريوهات عدة اهمها:
1- الردع السلبي: القدرة على اقناع العالم بان تطورها النووي لا يستهدف بلوغ التسلح النووي لكنه لا يمنعها من التطور في المجال التقني النووي، وهو ما يجعلها قادرة في اي لحظة على التحول نحو التسلح.
2- الغموض المدروس: خلق الانطباع لدى العالم بان زيادة التضييق على ايران قد يدفعها لاتباع النموذج الكوري الشمالي او الباكستاني او الهندي، وهو ما سيدفع لغواية العالم لتضييق مساحة الضغط عليها.
3- استخدام الفتوى الدينية بتحريم السلاح النووي كاداة تفاوضية ،اي نلتزم بها طالما تعامل العالم معنا باحترام،لكن لدينا الآليات للتخلي عنها واستنادا للفقه ذاته.
4- التشبث بالردع الكامن لانه يوفر قدرا من الردع ويتجنب عواقب الاعلان الصريح عن الامتلاك ،ويوفر مرونة تفاوضية ايرانية، ولا يضيق المسارات على ايران ، ومرن الى حد التحول عنه بسرعة .
بناء عليه، فان السلوك الاسرائيلي اولا ثم الامريكي ثانيا هما من يحدد الاستراتيجية الانسب لايران ، ويبدو ان اسرائيل تسعى للجم البرنامج الايراني بتكاليف امريكية بشكل اساسي، لكن ذلك يحمل في احشائه مخاطرة باضافة كوريا شمالية في الشرق الاوسط ، وهنا سنقف على اعتاب " باندورا بوكس"...ربما.