الشريط الإعلامي

الأحزاب السياسية أمام الاختبار

آخر تحديث: 2022-03-17، 09:28 am
كميل موسى فرام
أخبار البلد-
 

يمثل العمل الحزبي بصورته الصحيحة المرآة الحقيقية التي تجسد روح الانتماء الوطني على مستوى الفرد والجماعة، وهو الذراع والهيكل للديمقراطية التي تنظم عمل الشعوب وتترجم أحلامها، بما تسبغه من عدالة ورخاء، لتترجم المواد الدستورية بالمساواة؛ تعاون بين المسؤول والمواطن، يخلو من الأنانية والاستغلال، بل يرصد لعمل جماعي يعكس درجة الانسجام والغيرة على مصلحة الشعوب، فالأحزاب بتعريفها الأممي تشتمل على التقاء مجموعة من المواطنين على مستوى الدولة، يتشاركون نفس الأفكار والطروحات، تحت مظلة قانون ناظمة، بعيدة عن السرية والارت?اط بأفكار أو جماعات، تجتهد لشغل المناصب العامة بهدف خدمة المواطنين ضمن أسس وطنية واضحة، تنافس يبتعد عن المناكفة والتخوين، فقد يستلم السلطة الحزب الأكثر إجماعا بانتخابات ديمقراطية أو تجمع لأحزاب يمنحها الأكثرية، على أن يجلس على الشاطئ الآخر لنهر الحياة السياسية حزب و/او أحزاب المعارضة التي توظف قناعاتها بما يخدم مصلحة الدولة والشعب، تحت المظلة الدستورية، دون الدخول بمتاهات التقزيم والإساءة، التي لم تعد تنطلي أو تُسوّق كلماتها بعد الثورة التكنولوجية التي اجتاحت العالم عبر وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي الت? أصبحت مع كل أسف شريكا موجها أحيانا لخدمات تتنافى مع الحقائق والواقع، فالديمقراطية ليست الرديف لأنا وإلا فلا؛ المعارضة البناءة جزء مهم وتبادل الأدوار فلسفة صحيحة وصحية.

المطالبة بتفعيل العمل الحزبي على المستوى الوطني، كانت حاضرة في جميع الخطابات والمناسبات، شكّلت مادة الحديث بالصالونات السياسية التي تتلون حسب العرابين، فكان للدولة الأردنية رأي يناصر هذه المطالبة ويشجعها لإيمان وقناعة بجديتها وتأثيرها الإيجابي، بالرغم من عواصف الشد العكسي التي تعيق مسيرتها؛ استعراض مسيرة الحياة الحزبية منذ التأسيس، يوضح البطء الشديد بالانتقال عبر مراحلها وعدم قدرتها على التكيف بمنظوره الوطني، خصوصا ارتباط بعضها اسما وسلوكا بتيارات ومسارات حزبية خارجية، أو عدم قدرة أشخاصها للخروج من العباءة?العشائرية و/أو العائلية، فانحصر دورها ومفهومها بمعارضة ضعيفة لم تؤثر بالمسيرة، ولكنها عملت على بناء جدار يفصلها عن الثقة الشعبية المطلوبة لتغذيتها واستمراريتها، إلا بمحاولات شبه فردية قد استغلها البعض بحكمة الذكاء الظرفي للوثب عبر مسميات الأحزاب لمراكز السلطة؛ هذا واقع الاستثناء وليس التعميم، واقع جعل انتقال الأشخاص بين الأحزاب ممارسة تحكمها ظروف المصلحة التي تفتقر لمؤسسية جماعية، فكان حجم التأثير الذي سجل عبر مئوية الدولة ضعيفا وعلى الهامش باستحياء بدرجة العدم وعلامته الصفرية.

يمثل قانون الأحزاب نقلة نوعية حقيقية ومبادرة شجاعة لممارسة العمل الحزبي من ظلال السرية لسماء العلن، لأن العلاقة بين الأحزاب السياسية والديمقراطية هي علاقة جدلية توأمية؛ النضوج الديمقراطي يعتمد بواحد من أركانه على توضيح جدلية العلاقة مع الأحزاب التي تتنافس في الساحة السياسية للظفر بدرع الحُكْم المساعد لإدارة الدولة تحت الرعاية والمظلة الملكية التي تتوسط الدائرة بمسافة واحدة عن الجميع وللجميع، كضابط لبلورة الأفكار وتطبيقاتها التي تضمن سلامة الخدمات بمنهجية وعدالة..

ونحن ندرك فرص الاجتهاد لإثبات الذات للأحزاب السياسية، لأننا على علم ويقين أن الحديث عن الديمقراطية يفرض رؤية الوجه الحقيقي لعملتها بالمسارات السياسية للأحزاب التي تتنافس وتشكل القاعدة والجدار للبناء؛ لها دور فاعل بتوعية الناس لحقوقهم وواجباتهم بالعدالة الشاملة، تمارس دور السلطة التنفيذية إذا ظفرت بثقة الأغلبية، والسلطة التشريعية والرقابية والمعارضة بتجرد يعتمد أساساً على نصوص دستورية لإفساح المجال للجماعات المختلفة للتعبير عن رغباتها ومطالبها بأطر منظمة، وفعالة وتلعب دوراً في تنشيط الحياة السياسية البرلمان?ة، واقع يحتم عليها مغادرة مرفأ الاعتماد على الوصفات الجاهزة أو المعونات الحكومية التي لن تكون مجانية (بل غالية الثمن) أو ثكنة التبريرات أو المناكفات السياسية، لأننا اليوم بحاجة للقول الفعل البعيد عن التنظير؛ لم نعد نحتمل ولادات قصرية لزعامات وهمية تؤمن بدغدغة العواطف لجمهور المحتاجين تكون شريكة بالخفاء مقابل حصرية الحصاد. الكلمات النارية بمسمياتها ومحتواها بهدف جني شهرة شعبوية، لن تجد رذاذا يرويها، بل ستكون مادة سخرية لتبادلات منصات التواصل الاجتماعي بقصد التسلية.

القانون الناظم الجديد لتأسيس الأحزاب وممارستها العمل السياسي، وُلد بدعم من سلطات الدولة بمستوياتها بعد مشاورات مع أهل الاختصاص والقانون والتشريع، مقاصة تعكس حقيقة التفكير بهدف تحفيز المشاركة لتأطير العمل الحزبي؛ الشريك التوأم للعمل السياسي على المستوى الوطني، لكن ملاحظة فوضى الازدحام أمام بوابة تأسيس الأحزاب أصبحت مصدر قلق وتشكل هاجس خوف لدينا بعدم إدراك البعض للمفهوم الجديد، لأن فكرة الاعتماد على الأبعاد والأمجاد السابقة التي انتهت صلاحيتها تحتل مساحة يجب تحجيمها بالوعي والمناقشة والتوضيح ضمن حملات إعلامي? متواصلة، لا يشارك فيها أركان الشخصيات الخلافية، لأن وجود هذا العدد الهائل من الأحزاب على الساحة السياسة ليس ظاهرة صحيحة، فالفترة الإنتقالية للقناعة بالمشاركة الحزبية هي فترة حرجة وحساسة، يجب تغذيتها بتجسيد الواقع، بعيدا عن وعود المستحيل.

الأحزاب السياسية اليوم أمام الاختبار لإثبات محق للذات أو صمت ملاذ عن الأنظار والعقول بالانتحار، وللحديث بقية.