الشريط الإعلامي

آفة الانتحار المتزايدة في الأردن

آخر تحديث: 2021-12-14، 09:33 am
حسني عايش
أخبار البلد-
 

كنا -زمان- نندهش عندما نقرأ أو نسمع عن حالات الانتحار في السويد وغيره من البلدان الغنية، وكنا نظن أنه ناجم عن إشباع كل الحاجات، وانعدام الرسالة. كان الانتحار في نظرنا غير معقول وغير مقبول، وإذا به يدخل علينا في عقر دارنا، بمعدلات أكبر لدرجة ألفنا له وعدم اكتراثنا به، فقد زاد عدد المنتحرين في السنوات الأربع الأخيرة في الأردن على ستمائة شاب/ة.

وللأسف وسوء الخلف، لم تر أبحاثاً تجري فيه تطلعنا على أسبابه وعوامله، وأنماطه، وكأنه ليس لدينا جامعات مهمتها التدريس والبحث. فيا للأسف ويا لسوء الخلف على الرغم من كثرة العلف.

لعل عالم الاجتماع الفرنسي الكبير وأستاذ التربية الأول في جامعة السوربون (1906) إميل دوركايم (1856-1917) الباحث الأعظم في الانتحار إلى اليوم، وحسب نظريته فيه، فإن الانتحار يأخذ شكل أربعة أنماط، وهي:

• الانتحار الأناني (Egoistic suicide): ويحدث في المجتمعات أو بين التجمعات، أو الجماعات الضعيفة الاندماج الاجتماعي؛ حيث يفقد الفرد الإحساس بالمعنى لحياته، ما يسهل له أو عليه التغلب على الضمير الجمعي الرخو، ويتصرف حسب ما يرغب فيه، وغالباً ما يؤدي هذا الشعور إلى عدم الرضا عن الذات لأنه لا يمكن تلبية جميع حاجاتها، ما يدفع الفرد إلى الانتحار.

وفي تفسير ذلك أن الضمير الجمعي القوي أو المعتقدات والممارسات الدينية الملزمة للمؤمن باحترام الحياة تحمي الفرد من تدمير حياته. أما الضمير الجمعي الرخو أو الضعيف فيؤدي إلى بروز تيارات اجتماعية كالكآبة والحزن واليأس التي تؤدي بدورها إلى الانتحار. وكلما اشتدت الكآبة أو بلغ الحزن ذروته، بالغ الفرد في فرديته لدرجة أنه يشعر أنه لم يتبق له ما يفعله، أو يصل إليه، أو يحققه في هذه الدنيا فينتحر، وربما زادت جائحة كورونا التي أضعفت الضمير الجمعي في معدلات الانتحار.

• الانتحار الإيثاري (Altruistic suicide): وأسبابه وعوامله مغايرة لأسباب وعوامل الانتحار السابق، أي أنه قد يحدث عندما يكون الاندماج الاجتماعي قوياً جداً، فيشعر الفرد وكأنه مجبر على الانتحار. ولعل أوضح مثال عليه الانتحار الجماعي لأتباع جيم جونز في مدينة جونز تاون (1978)، فلشدة الاندماج الذي صنعه جونز في أتباعه والسيطرة العقلية عليهم، شرب الأعضاء جميعاً السم وأسقوه لأطفالهم ليموتوا، أي ليرتكبوا انتحاراً جماعياً إيثارياً لشعورهم أن هذا واجب عليهم.

يرى دوركايم أن التيارات الاجتماعية المثقلة بالكآبة والحزن هي السبب الأول في تزايد حالات الانتحار الإيثاري، وأن هذا الانتحار ينبع من الأمل: الأمل بحياة أفضل بعده. وهو ما قد يفسر بما سمي بالانتحار الاستشهادي الذي يقوم به الإسلاموي الإرهابي عندما يفجر نفسه بالناس (الكفار) المصادفين للارتقاء فوراً بعده إلى النعيم في الجنة.

• الانتحار المفارق (Anomic suicide): يكثر هذا الانتحار -إجمالاً- عندما تتمزق النظم الاجتماعية أو تتفكك لدرجة يصبح فيها كثير من الأفراد غير راضين فيتطرفون أو يلجأون إلى العنف لإشباع عواطفهم الجياشة. ويحدث هذا الانتحار كثيراً سواء أكان التمزق إيجابياً كما في حالة الازدهار الاقتصادي، (يموتون من الشبع) أو سلبياً كما في حالة الركود (يموتون من الجوع) لأن المجتمع في الحالتين لا يستطيع السيطرة على سلوك أفراده.

• الانتحار القدري (Fatalistic Suicide): وأسبابه وعوامله تعكس أسباب وعوامل الانتحار المفارِق؛ إذ إنه يحدث -إجمالاً- عندما تزيد القيود الاجتماعية على الحد. ويرى دوركايم أن مرتكبي هذا الانتحار يلجأون إليه عندما يكون باب المستقبل مغلقاً تماماً أمامهم، وعواطفهم محطمة كما في حالة البطالة الطويلة الأمد، أو الظلم، ومَثله التقليدي هو العبد الذي ينتحر من انعدام الأمل لسلب حريته الكاملة منه في كل شيء يفعله.

وفي ضوء ذلك نقول: إنه كلما زادت القوانين والنظم والتعليمات في الدولة زادت الجرائم وزادت احتمالات الانتحار.