الشريط الإعلامي

المقاومة الفلسطينية وإستراتيجية التحرير

آخر تحديث: 2021-10-04، 09:54 am
الأسير زياد زهران “أبو أمل”
أخبار البلد - تفتقد الفصائل والقوى الفلسطينية رؤية واضحة لما تمر به القضية الفلسطينية من تراجع على كافة المستويات. لا تمتلك تلك الفصائل والقوى إستراتيجية واضحة تحدد من خلالها الأهداف المرحلية، كمبررات لوجودها وجدواها. كانت هذه الفصائل والقوى تدعو ببرامجها إلى مقاومة المحتل الإسرائيلي، وتطرح نفسها نقيضاً تاماً له، وتبيّن وجوب ترحيله ولو بالقوة من أراضي فلسطين التاريخية -باستثناء ما قدمه الحزب الشيوعي من إمكانية التسوية والتقسيم-.

قدمت تلك الفصائل والقوى تضحيات جسام في سبيل أطروحاتها، وبطولات تكاد تكون أسطورية، من حيث التخطيط، والتنفيذ، والصمود، وقدمت كذلك مئات الآلاف من الشهداء والجرحى، وأكثر من مليون أسير. لا يمكن إذاً لأحد التنكر لدورها في بلورة الهوية الوطنية الفلسطينية التي كادت أن تذوب بفعل النكبة عام 1948، وما تلاها من محاولات لشطب هذه الهوية من الخارطة العالمية. لقد مارست هذه الفصائل والقوى كافة أشكال النضال، وبكل الظروف في ساحات الوطن، والإقليم، والعالم.


قدمت تلك الفصائل والقوى للعالم الهدف الإستراتيجي بإقامة دولة فلسطينية ديمقراطية لكل مواطنيها، دون تمييز، سواء على أساس العرق، أو الدين، أو اللون، أو الجنس. شددت كذلك على أن "لا تنازل عن تصفية آثار الاحتلال الصهيوني الاستعماري”، ومساعدة الشعوب المستعمَرة والمضطَهدة في تقرير مصيرها، والمساهمة في بناء صرح السلام العالمي.


تعزز هكذا النضال الوطني الفلسطيني بقيادة تلك الفصائل والقوى، وباختلاف الظروف الإقليمية عربياً وإسلامياً، وكذلك عالمياً، وما شهدته المنطقة من محطات معقدة جداً، كالحروب، والانقلابات، ونكسة عام 1967. يضاف إلى ذلك تناقضات عاشتها تلك الفصائل في الأردن الشقيق عامي 1970 و1971، ولبنان العزيز خلال أعوام 1975-1982، وما أنتجتها من تشتت لها بعيداً عن حدود الوطن.


أدى التشتت الفصائلي إلى تسلل الآراء بقبول الأمر الواقع الذي دفع باتجاه محاولة إيجاد تسوية تحافظ على ما تبقى من أمل في تحقيق الحلم الفلسطيني بإقامة دولة فلسطينية، حتى لو على جزء بسيط من الأرض الفلسطينية التاريخية. يعني ذلك أنه تم الدخول تحت مظلة الأمم المتحدة التي أقرت حدود هذه الدولة المأمولة، بموجب القرار 242، وسمتها حدود الرابع من حزيران 1967، واعترفت للفلسطينيين بعاصمتهم المستقبلية (القدس الشرقية).


تفجرت انتفاضة أبطال الحجارة عام 1987، وأعادت الأمل والإيمان بحتمية الخلاص من الاحتلال، وأيقظت الضمير العالمي من غفوته المقصودة، وأجبرت المجتمع الدولي والولايات المتحدة الأميركية على تقديم حلول لوقف قمع الاحتلال الإسرائيلي لهذه الانتفاضة. تم بالفعل الدفع باتجاه الضغط على الجانبين الفلسطيني والإسرائيلي، للموافقة على مبدأ المفاوضات للوصول إلى تطبيق قرارات دولية كان الجانبان قد رفضها سابقاً. على إثر ذلك، وصل الطرفان إلى الاعتراف المتبادل في اتفاق أوسلو، والدخول في مرحلة انتقالية تؤدي إلى قيام دولة فلسطينية عام 1999.


وصلت مفاوضات الحل النهائي إلى طريق مسدود، وأفضت إلى وجود شكل من أشكال مؤسسات دولة في المدن الفلسطينية، دون سيادة فعلية على الأرض. بالمقابل، استمر الاحتلال الإسرائيلي في تكثيف عملية اغتصاب الأراضي والاستيطان فيها، خاصة القدس، بهدف القضاء نهائياً على فرص الحل القائم على أساس حل الدولتين. رافق ذلك الاعتداءات اليومية التي جعلت من السلطة الفلسطينية والفصائل كافة تشعر بالعجز عن حماية أبناء شعبها، وهذا أفقدها التأثير والمؤازرة الشعبية. يضاف إلى ذلك حالة الانقسام وسيطرة حماس بالقوة على قطاع غزة، مما عزز حالة الفرقة، وعدم التلاقي على أي برنامج، أو فعل جدي مقاوم للاحتلال وممارساته.


لقد باتت مواقف الفصائل والقوى الفلسطينية منقسمة فيما بينها، فقد خضعت للجغرافيا المنفصلة ذاتياً، ففي الضفة هناك خطاب، ونقيضه في غزة. يدعو الخطاب الأول للمقاومة الشعبية، دون القدرة على ممارستها بشكل مستمر ومؤثر، أما الخطاب الثاني فيدعو للمقاومة المسلحة، دون امتلاك أدوات الاستمرارية، أو تحقيق انتصارات واضحة. إن الكثير من المراقبين الحياديين يؤكدون على عدم المقدرة الحزبية والفصائلية، لدفع الجماهير للمشاركة لما تدعو له من فعاليات، وذلك بسبب عدم الثقة بها، وفقدان الأمل.


من جهة أخرى، يقوم الاحتلال الإسرائيلي بزرع القناعات لدى قطاعات من الشعب الفلسطيني بعدم جدوى النضال والمقاومة، وأن الحلم في الحرية والاستقلال لن يتحقق، ورفاهية العيش فقط هي المتاحة لكل من لا يشغل نفسه بالقضية الوطنية. تقوم دولة الاحتلال كذلك بإضعاف الثقة الشعبية بهذه الفصائل والقوى من خلال نشر ادعاءات الفساد المالي، والأخلاقي، وحتى الوطني، والذي للحقيقة يظهر في ممارسات بعض القيادات وعائلاتهم في الضفة وغزة. إضافة إلى ذلك، يساعد إعلام الاحتلال في هذا التشويه المقصود، من خلال بث تقارير كثيرة، ومشاهد، تظهر هذه القيادات، كأنها تعيش بفضل الاحتلال وتحت حمايته، وتروّج بأن هذه القيادات تحصل على امتيازات، وتسهيلات خاصة، مقابل ضبط وتقييد أي فعل نضالي مؤثر.


بات من الواضح أن إستراتيجية الاحتلال تقوم على الترويج العالمي بأن أي حل مع الفلسطينيين، يجب أن يقوم على أساس الحل الاقتصادي، ولا يمكن الوصول إلى حلول سياسية لما هو واقع الحال في الضفة وغزة، وعدم أهلية الشعب الفلسطيني وقيادته لتقديم ضمانات تؤكد قدرتهم على إدارة شؤونهم الداخلية. بالتالي لا ضمان لما قد يكون عليه اتفاق يضمن أمن دولة الاحتلال.


هناك من يدعو الفصائل والقوى الفلسطينية أن تسارع إلى لملمة صفوفها، وإعادة تقييم شامل للمرحلة السابقة، ووضع إستراتيجية جديدة تقوم على برامج وخطط تنسجم وحجم التحديات. يأتي ذلك في ظل وجود قطاعات كبيرة ومهمة في الشارع الفلسطيني لا تثق أو تعول على الفصائل والقوى الفلسطينية، بل تتهمها بتكريس الانقسام بكل أضراره للقضية الوطنية، لأغراض حزبية بحتة فقط، كما يرى بعدم إجراء الانتخابات العامة مبرراً لاستمرار بعض القوى غير المؤثرة شعبياً في الاستحواذ غير الشرعي على السلطة والقرار. بالـتأكيد لا تعني الدعوة إلى إجراء الانتخابات أن تتم بمعزل عن القدس الشرقية، فهو حق ثابت للشعب الفلسطيني، ولا انتخابات دون القدس.


في ظل هذا التعقيد، تبرز العديد من الأسئلة المشروعة، وإن كانت مقصودة، فالجميع قد يمتلك إجابات لفظية، لكن لا يمتلك القدرة على تقديم حلول فعلية. مثلاً، لمصلحة من استمرار الانقسام؟ متى يمكن التوافق فلسطينياً على انتخاب الشعب الفلسطيني قيادة تمثله؟ هل تدرك الفصائل والقوى الفلسطينية حجم تمثيلها للشارع الفلسطيني؟ ما الخيار الذي يضمن إعادة الثقة والأمل لمن فقدها، أو بات على وشك؟