مقال ترامب الأخير

مقال ترامب الأخير
أخبار البلد -   اخبار البلد-
 

في تشرين الثاني من عام 2008 اعتلى المنصة سيناتور أمريكي مخضرم وسط تصفيق حار من جمهور حاشد من مؤيديه، وبدأ حديثه مخاطباً إياهم بوجه جاد قائلاً: "يا أصدقائي وصلنا لنهاية رحلة طويلة، الشعب الأمريكي قال كلمته وقالها بوضوح، قبل لحظات قليلة كان لي شرف الاتصال بالسيناتور أوباما لأهنئه بفوزه بالانتخابات رئيساً للبلاد التي نحبها أنا وهو"، وفور ذكره لأوباما صاحت الجماهير بهتاف سلبي، سكت لبرهة، هز رأسه وأكمل "في منافسة طويلة وصعبة كمثل هذه الحملة مجرد نجاحه يستلزم احترامي لقدراته وعزيمته، لكنه نجح في مبتغاه عبر إلهام الملايين من الأمريكيين، الذين ظنوا مخطئين أن لهم تأثيراً محدوداً في انتخاب رئيسهم، هذا أمر أبدي إعجابي البالغ به وأحييه على تحقيقه"، استمر الرجل في كيل المديح لخصمه والتأكيد على مناقبه وعلى إنجازه الذي يحسب لكل الأمريكيين، وما هي إلا لحظات وانقلبت الهتافات المنتقصة من أوباما إلى تصفيق حار لذكر اسمه، كان هذا الخطاب هو خطاب الاعتراف بالهزيمة من السياسي الجمهوري الراحل جون مكين، والذي فشل لمرتين في الوصول إلى البيت الأبيض ولكنه لم يرحل إلا وقد استلهم منه الأمريكيون صورة استثنائية للخصم النبيل، بدأت من أمام تلك المنصة في أريزونا وختمت من أرض مجلس الشيوخ قبل وفاته بإشارة من إبهامه رافضاً دعم ترامب رئيسه الجمهوري في إلغاء أهم إنجاز لخصمه الديموقراطي الذي خسر أمامه قبل قرابة من عقد من الزمان وهو مشروع الرعاية الصحية الشاملة والذي لقبه الكثيرون "أوباما كير".

تناقل الأمريكيون التسجيل المصور لخطاب مكين هذا على أوسع نطاق وهم ينتظرون ردة فعل رئيسهم على الأنباء التي تأخرت كثيراً وطال انتظارها، والتي تفيد بحصول خصمه جو بايدن على ما يكفي من أصوات المجمع الانتخابي لإزاحته وإنهاء حلمه وكابوس العالم بفترة رئاسية ثانية، دونالد ترامب الرئيس الخامس والأربعون والأكثر إثارة للاستقطاب والجدل في التاريخ الحديث للولايات المتحدة، أمضى الساعات والأيام التي تلت إغلاق مراكز الاقتراع يرفض الاعتراف بالهزيمة بل يعلن الفوز الوهمي الساحق على خصمه، وظهر أخيراً في مؤتمر صحفي في الخامس من نوفمبر، ليعلن أنه فاز بالأصوات "القانونية" ثم أثار الشبهات المختلفة التي لا أساس لها حول طريقة فرز الأصوات، واتهم الإعلام وشركات التكنولوجيا والشركات الكبرى بالتآمر لتزوير النتائج لصالح خصمه، أما بادين فقد انتظر حتى اللحظة الحاسمة ليعلن فوزه بالانتخابات بعد أن تأكد فوزه بولاية بنسلفانيا، والتي معها لم يعد هناك مجال للشك أنه حقق انتصاراً حاسماً من حيث عدد الأصوات الشعبية وعدد الولايات، وقدم هو ونائبته خطابين وطنيين جامعين أعادا إلى الذهنية الأمريكية حالة الاستقرار في الخطاب السياسي ولو لبرهة.

ها هو ترامب وبعد أيام من لعب الغولف ونشر التغريدات المضللة والمليئة بالمغالطات يتلاشى تدريجياً، زوجته ميلانيا وصهره المدلل جاريد كوشنر نصحاه بقبول الهزيمة حسب المصادر الإعلامية، قيادات الجمهوريين مثل الرئيس السابق جورج بوش الإبن والسيناتور ميت رومني المرشح الرئاسي السابق وحاكم ميريلاند لاري هوجان كلهم أعلنوها صراحة أن الانتخابات كانت نزيهة وأن على ترامب الاعتراف بالنتيجة. ستمر أيام بلا شك قبل أن ينهار ترامب تماماً ويعترف بالهزيمة وربما يماطل لأسابيع، وقد يرفض الاعتراف بها تماماً، ولكن الحقيقة تفرض نفسها شيئاً فشيئاً، بل إن بايدن أعلن رسمياً عن فريقه الانتقالي، وينصب اهتمام الإعلام والمحللين على التعيينات الرئيسية في حكومة بايدن الأولى، وتركت بعض المساحة لترامب حين يكتب تغريدة هنا أو يطلق محاميه لعقد مؤتمر صحفي هزيل هناك، كما قال أحد المحللين "أضاع ترامب آخر فرصة لخروج مشرف".

نعيش الآن اللحظات الأخيرة لمرحلة استثنائية ليس في تاريخ الولايات المتحدة فحسب بل ربما العالم أجمع، حين تمكن شخص واحد من هز المنظومة الدولية عن بكرة أبيها، شخص واحد نجح في هز صورة النظام السياسي الراسخ ودولة المؤسسات الأمريكية، تحول بمقعده الذي استقر فيه أربع سنوات طوال من قيادة العالم الحر إلى أضحوكة العالم أجمع، وبلا شك أنه لم يكن هو المرض بل العرض، فوصول ترامب للسلطة ليس إلا نتيجة طبيعية للانحدار التدريجي في المجتمعات الغربية نحو التطرف، وإرهاص لمرحلة ما بعد السيادة الأمريكية على العالم، سيذهب ترامب ويختفي تدريجياً من شاشات التلفزة وهواتفنا الذكية، وربما نتذكر نوادره وقصصه ولكنه إلى زوال، أما الظاهرة الترامبية أو التطرف اليميني الشعبوي فهو لن يتزحزح، المجتمع الغربي بشكل عام والأمريكي بشكل خاص يمر بمرحلة تشكل جديدة يتخلى فيها عن مبادئ الليبرالية التي سادت منذ الحرب العالمية الثانية لصالح تكشف صورة ليست بالضرورة مختلفة ولكنها أكثر صراحة تظهر العنصريات الدفينة والكراهية المغلفة والمادية المتجردة من المبادئ والأنانية الفردانية.

لن يكون بايدن ملاكاً يمشي على الأرض ويحكم بين الناس بالعدل، ولم يكن ترامب شيطاناً رجيماً، فالهيمنة الأمريكية على السياسة الدولية ودعم الطغاة والمفسدين والعنصرية المؤسسية في الداخل الأمريكي كانت قبل ترامب وستستمر بعده، كل ما في الأمر أن الأمور ستعود لنصابها من حيث استقرار النظام السياسي الأمريكي والدولي، لا شك أن سياسة ما بعد ترامب لن تكون كتلك التي كانت قبله، ولكن بايدن وإدارته سيقومون بحملة تنظيفات تستهدف كل ثغرات فترة ترامب في محاولة لتأخير الانهيار الأمريكي القادم وتثبيت أركان الإجماع الأمريكي، ولكن يكفينا أننا بعد هذه الأعوام الأربعة من المصائب المتلاحقة والحماقات المتكررة سننعم بهدوء نسبي أو على الأقل ستعود لنا أمريكا التي نعرف كيف نكرهها، في 2016 وبعد تولي ترامب للرئاسة بفترة كان يمازحني أحد الزملاء في الصحيفة بأن ترامب هو موضوع مقالاتي المفضل وكان يجول في خاطري أنني أتمنى أن يأتي قريباً اليوم الذي أكتب فيه آخر مقالاتي عن ترامب، وها هو اليوم قد حل وأسرع مما كنا نتوقع، وأرجو أن لا أكون مخطئاً واضطر للعودة إلى الكتابة عنه قريباً.


شريط الأخبار الجمعة .. انخفاض طفيف على الحرارة وأجواء غير مستقرة مع غبار وأمطار متفرقة ثروة ماسك تتجاوز صافي الناتج المحلي الإجمالي لنحو 169 دولة الولايات المتحدة تحث مواطنيها على مغادرة إيران "الآن" ترفيع موظفين حكوميين وإحالات إلى التقاعد - أسماء وفيات اليوم الجمعة .. 6 / 2 / 2026 عمة الزميل قاسم الحجايا الحاجة "طليقة الصواوية " في ذمة الله حالة الطقس حتى الاثنين يصل مداه إلى 2000 كم... إيران تعلن نشر صاروخ خرمشهر 4 الباليستي بمدينة تحت الأرض الضريبة: إشعار 379 منشأة غير ملتزمة بـالفوترة ومهلة أســبــوع لــتــصــويــب أوضــاعــهــا فضح مراسلة بين بيل غيتس والمجرم الجنسي إبستين عن نشر الأوبئة قبل 3 سنوات من جائحة كورونا الأكاديمية الأردنية للدراسات البحرية تنظم ورشة عمل حول الأسطول البحري الوطني (فيديو وصور) إعفاء السيارات المعدّة خصيصًا لاستخدام ذوي الإعاقة من كامل الضريبة الخاصة افتتاح أول مصنع لرب البندورة في الأردن خلال شهر إرادة ملكية بمنح أمين عام الديوان الملكي إبراهيم الكركي لقب معالي الجيش يسقط 56 بالونا وطائرة مسيَّرة محملة بمخدرات في شهر واحد دائرة الأراضي والمساحة: البيع والإفراز إلكترونيا عبر تطبيق "سند" قريبا ترامب: إيران تتفاوض معنا ولا تريد استهدافها بضربة 75.5 مليون دينار أرباح شركة مصفاة البترول الأردنية لعام 2025 تاج مول يقترض 35 مليون دينار من التجاري الأردني مقابل رهن اراضي الشركة في عبدون الدكتور البلداوي يفتتح ملتقى الشركات الطبية المتخصصة لبازار رمضاني