ذلك الطابور الطويل من النساء

ذلك الطابور الطويل من النساء
أخبار البلد -  

تناقل السوريون على وسائل الاتصال الاجتماعي نصاً لسيدة تنهيه بأنها تنتظر المناداة باسمها الجديد، رقم 271. الرقم هذه المرة لا يدل على الاسم الممنوح لمعتقلة، جرياً على عادة المعتقلات السوريات، هو رقم السيدة في طابور طويل لشراء مادة السكّر من إحدى المؤسسات الحكومية في دمشق. النص في مجمله يتحدث عن طابور طويل من النساء، بعضهن بصحبة أطفالهن، يتسابقن ويتبادلن الدعس على الأقدام من أجل نيل حصة من مواد غذائية تغلب عليها المواصفات المتدنية، ولا يخلو تنظيم الدور من إسماعهن شتائم ممن يشرف على تنظيمه، شتائم تُبتلع بيسر جراء الحاجة الماسة للغذاء.

 

 

الطابور المشار إليه في حي دمشقي تحت سيطرة النظام، والمشهد ليس طارئاً تماماً سوى بالنسبة إلى الجيل الذي تفتّح وعيه منتصف التسعينات، عندما مضى حافظ الأسد في مشروع الانفتاح الاقتصادي. قبل ذلك كانت النكات تُؤلّف عن حالة الطابور الذي يقف أفراده أحياناً من دون معرفة ما سيحصلون عليه، المهم في النهاية الحصول على شيء ما، مع فارق ذي مغزى كبير في حالتنا اليوم يتعين في اقتصار الطوابير على النساء.

 

 

إذاً، مع الانخفاض الجديد في قيمة الليرة، حيث فقدت قبل أسبوع نحو 25 في المئة من آخر قيمة لها، ظهر إلى العلن طور جديد من تردي الوضع الاقتصادي للنظام. مسؤولوه، كعادتهم في الالتفاف على أصل المشكلة، ركزوا على تدهور الليرة وتحميل المسؤولية للسوق «السوداء» التي تضارب بالعملات، مع تعهد بالحد من التدهور يؤدي عادة إلى تحسن طفيف في سعر الصرف، لا يعادل سوى جزء بسيط مما فقدته الليرة قبل أيام، هكذا في انتظار تدهور آخر يطيح العتبة السابقة.

 

 

ذلك الطابور الطويل من النساء لا يتحدث عنه مسؤولو النظام. حتى وسائل الإعلام الخارجية تركز على تدهور الليرة كخلاصة للأحوال، على رغم أن سعرها لا يزال أعلى مما يجب، في دلالة مغايرة تشير أولاً إلى تحكم النظام بسوق الصرف، وتشير ثانياً إلى انخفاض الطلب على العملات الصعبة من قبل شريحة التجار الكبار، أي إلى انخفاض المستوردات الضرورية، بينما تعاني الأسواق شحاً في المواد الغذائية. سعر الصرف، على رغم أهميته، لا يقول الكثير ما لم يكن مشفوعاً بمؤشرات أخرى كتدني إنتاج السلع الأساسية، والارتفاع المهول في نسبة البطالة، وعدم وجود ميزان اقتصادي يربط الأجور بالقدرة الشرائية. الحد المقبول من التضخم اقتصادياً يصل إلى 5 في المئة، أي هو الحد الذي لا يستلزم بالضرورة تعديل الأجور لمواكبته.

 

 

اليوم، يمكن نظرياً القول إن الموظف الذي كان راتبه يعادل 400 دولار، عام 2010، تراجع ليعادل 40 دولاراً. لكن هذه الأرقام وحدها لا تعكس واقع التضخم العام ونوعية (لا حجم فقط) السلع والخدمات التي يستطيع الحصول عليها، ولا تقول الكثير عن السلع أو الخدمات التي اضطر المواطن السوري إلى التضحية بها تباعاً مع كل زيادة في التضخم، سواء بسبب فقدان السلع والخدمات أو بسبب غلائها الفاحش. في المقدمة طبعاً، بعد الغذاء، الضرر يمس الرعاية الصحية الأساسية لكل الشرائح وأولاها الأطفال.

 

 

الطوابير القديمة في الثمانينات كانت من أجل الحصول على المواد المستوردة، أو المحتكرة من قبل الدولة، حصراً. أما خلافها، وعلى رغم تدهور الليرة بنسبة 400 في المئة حينذاك، فلم يحدث شحّ في الإنتاج المحلي، الزراعي خصوصاً. تالياً، لم يصل الإفقار جراء التضخم إلى نسبة ضخمة من السكان، ولم يخيّم شبح المجاعة الذي صار واقعاً الآن. فقط العقيدة المخابراتية للنظام بقيت على حالها، فسياسة الاحتكار القديمة عادت منذ بدء الثورة تحت زعم ضبط الأسواق، وبموجبها وُضعت مكاتب الصرافة وتحويل العملات تحت رقابة مشددة، ثم اتّهم بعضها بتهريب العملات ككبش فداء للتهرب من المسؤولية، مع أن تلك المكاتب كانت تضع العملات الأجنبية في خزينة النظام وتأخذ مقابلها من العملة السورية بالسعر الذي يحدده. وأغلب الظن أن تحويلات السوريين من الخارج ساعدت كثيراً في الحدّ من انهيار العملة ومن المجاعة معاً.

 

 

بسبب تلك القيود، الطاردة إلى حد كبير، صار متعذراً تحويل الأموال عبر الأقنية المعتادة من دون تعرّضها لاقتطاع ضخم، ما أدى إلى شح التحويل، حتى أن شركة «ويسترن يونيون» العالمية أعلنت إغلاق مكاتبـها في ســـورية أخيراً. باختصار، كانت سياسة النظام طوال الوقت هي الاقتطاع من قيمة التحويلات الصغيرة، التي تلبي حاجات ضرورية لشرائح متوسطة وفقيرة، من أجل تمويل حربه، وفي أحسن الأحوال لبيع القطْع الأجنبي بسعر مخفّض لأثريائه الذين يحتكرون المستوردات القليلة الباقية. بالطبع، سيكون متعذراً فهم هذا السلوك الطارد مع انخفاض احتياطي النقد في البنك المركزي إلى 700 مليون دولار، إلا على أرضية غياب حس المسؤولية إزاء المتضررين بمن فيهم الموالون.

 

 

إذا كان حصار المناطق المحررة يُعدّ جريمة حرب، فمن الصعب إيجاد تصنيف لجريمة النظام في حق المناطق التي يسيطر عليها، وغير الخاضعة نظرياً للحصار. الحصار الاقتصادي الذي يفرضه في شكل غير مباشر جريمة منافية للمنطق الذي تفرضه حاجته إلى حد أدنى من الولاء، لكنه من جهة أخرى دليل على النهج الاحتكاري المتوحش المستمر، والذي سيكون عنوان بقاء النظام. في جوهره، هذا هو اقتصاد «السوق الاجتماعي» الذي رُوّج له مع توريث بشار، الاقتصاد الذي يعني بدقة الليبرالية الاحتكارية المتوحشة لأثرياء النظام، ومعظمهم من أبناء مسؤولي حكم الأسد الأب، واشتراكية الإفقار والمجاعة لعموم السكان.

 

 

الفكرة ليست في الطابور، وإنما في إجبار من أُفقِروا على توسّل العون من السلطة التي أفقرتهم، بل التدافع من أجل الفتات بحيث يتحول الفقير الآخر إلى منافس وخصم. يُضاف إليها في حالتنا غياب عنصري الشباب والرجال، أي غياب قوة العمل الأساسية التي زُجَّ معظمها في جبهات القتال، أو اضطر بعضها للتواري أو الهجرة تهرباً منه.

 

 

ذلك الطابور الطويل من النساء ربما يكون أفضل تمثيل للتعاسة السورية، بتحويلهن إلى أرقام تتوسل الحد الأدنى بيولوجياً، مع افتراض وجودهن في الجهة الأقل تضرراً. هو الاستبداد، عادل تجاه العامة بطبيعته.

 

 

 
 
شريط الأخبار إيران: سقوط أكثر من 200 عسكري أمريكي بين قتيل وجريح خلال آخر 24 ساعة تقرير سري يصدم البيت الأبيض: النظام الإيراني لن يسقط حتى بقصف أمريكي شامل! حزب الله ينذر الإسرائيليين في مستوطنتي كريات شمونة ونهاريا بالإخلاء إيران: انطلاق الموجة الـ25 من "الوعد الصادق 4".. ومقتل 21 جندي أميركي خلال 24 ساعة بيان يوم غد من حماية المستهلك بحق البندورة والخيار والبطاطا والكوسا الكشف عن الصاروخ الإسرائيلي الضخم الذي قتل خامنئي الكشف عن عدد اصابات سقوط شظايا الصواريخ في الأردن الجيش: اعتراض 108 صواريخ ومسيرات من أصل 119 استهدفت منشآت حيوية في الأردن تقرير: المخاطر تتربّص بترمب بعد أسبوع على اندلاع حرب إيران الاحتلال يواصل إغلاق المسجد الأقصى لليوم الثامن أمين سجل الجمعيات الشريدة يشعل السوشال ميديا في عطلة الجمعة رسالة مفتوحة من طارق خوري إلى النائب ينال فريحات، البحث عن الإصلاح الحقيقي بدل الاستعراض السياسي وتسجيل المواقف كمين "النبي شيت": المقاومة تسحق إنزالاً إسرائيلياً في البقاع شرق لبنان.. ما التفاصيل؟ حمادة: وفرة في السلع والاجراءات الحكومية تعزز استقرار السوق "بعد زيارات الفرق الميدانية " البدور :تغيير أماكن 41 مركز صحي مُستأجر غير ملائم … الرئيس الإيراني: يجب أن نعمل مع دول الجوار بهدف ضمان وتأمين الأمن والسلام من كرة القدم إلى العقارات.. 25 مليون دولار مكسبا فوريا لجار ميسي رئيس الأركان الإسرائيلي: نحن بصدد سحق النظام الإيراني إعلام إسرائيلي: صاروخ إيراني جديد يقلص زمن التحذير إلى دقيقة واحدة الجامعة العربية تعقد اجتماعا الأحد حول الضربات الإيرانية على عدد من الدول العربية.