اضغط ⬆️ ثم "إضافة للشاشة الرئيسية"

ليس دعماً للأسعار، بل حماية للاقتصاد

ليس دعماً للأسعار، بل حماية للاقتصاد
د. يوسف منصور
أخبار البلد -  
من السهل النظر إلى قرار تثبيت أسعار المحروقات لشهر آب باعتباره مجرد قرار إداري يتعلق بتسعيرة البنزين والديزل والكاز. لكن القراءة الاقتصادية الأعمق تكشف أن القضية ليست قضية سعر، وإنما قضية "توقعات اقتصادية وثقة واستقرار".

 

فالاقتصاد لا يتحرك بالأرقام فقط، بل يتحرك أيضاً بتوقعات الأفراد والشركات. وكثيراً ما يكون الخوف من ارتفاع الأسعار أخطر من الارتفاع نفسه. فعندما تتوقع شركة النقل زيادة وشيكة في أسعار الوقود، تبدأ برفع أجور النقل مسبقاً. وعندما يتوقع المصنع ارتفاع تكاليف الطاقة، يعيد تسعير منتجاته قبل أن ترتفع فاتورة الوقود فعلياً. وحتى الأسرة، عندما تخشى ارتفاع الأسعار، تؤجل شراء السلع المعمرة أو تقلص إنفاقها تحسباً للأسوأ.

بهذا المعنى، فإن قرار تثبيت أسعار المحروقات لا يقتصر على تثبيت سعر لتر البنزين، بل يهدف إلى تثبيت التوقعات الاقتصادية، وهي من أهم المتغيرات التي يراقبها الاقتصاديون والبنوك المركزية في العالم.

إن النفط سلعة مختلفة عن بقية السلع. فهو لا يدخل في إنتاج سلعة واحدة، بل يدخل في إنتاج ونقل وتوزيع معظم السلع والخدمات. لذلك فإن أي ارتفاع في أسعاره يمتلك أثراً مضاعفاً يتجاوز قيمة الزيادة نفسها. فدينار واحد إضافي في تكلفة الوقود قد يتحول إلى عدة دنانير موزعة على سلسلة طويلة من تكاليف النقل والتخزين والإنتاج والتوزيع.

ولذلك، فإن تثبيت الأسعار في فترة تشهد اضطرابات جيوسياسية وارتفاعاً عالمياً في أسعار النفط يمكن اعتباره بمثابة حاجز يمنع انتقال الصدمة الخارجية إلى الداخل. فبدلاً من أن تنتقل الزيادة مباشرة إلى أسعار الغذاء والنقل والسلع الصناعية، يتم امتصاص جزء من الصدمة، بما يمنح الاقتصاد فرصة للتكيف دون إرباك.

واللافت أن الفائدة الاقتصادية لهذا القرار لا تقتصر على المستهلك، بل تمتد إلى المنتج أيضاً. فالمصنع الذي يعلم أن تكلفة الطاقة لن ترتفع خلال الشهر المقبل يستطيع أن يخطط لإنتاجه وتسعيره بثقة أكبر، وشركة النقل تستطيع الالتزام بعقودها دون إعادة احتساب الكلف، والمزارع يستطيع تقدير تكلفة الموسم الزراعي بدرجة أعلى من اليقين.

إذ يحمل تثبيت أسعار المحروقات أهمية خاصة للقطاعات الإنتاجية. فالديزل يدخل في كلفة النقل والإنتاج الزراعي وتشغيل المعدات والآليات، كما يؤثر في تكاليف الصناعات التي تعتمد على الشحن المكثف أو الطاقة. ويمنح استقرار الأسعار الشركات قدرة أفضل على التخطيط، وتسعير المنتجات، وإدارة التدفقات النقدية، بدلاً من مواجهة زيادات مفاجئة قد تضطرها إلى رفع الأسعار أو تخفيض الإنتاج أو تأجيل الاستثمار.

كما أعلنت الحكومة استمرار دعم الغاز البترولي المسال المستخدم في الصناعة بقيمة تبلغ نحو 1.25 مليون دينار، وهو ما يعزز أثر القرار في حماية بعض الأنشطة الإنتاجية من الارتفاع المفاجئ في كلفة الطاقة. أما قطاع النقل، فهو من أكثر القطاعات حساسية لأسعار الوقود. وتثبيت سعر الديزل يقلل الضغوط لرفع أجور النقل والشحن، ويحد من انتقال الكلفة إلى مختلف حلقات سلسلة التوريد. وفي الاقتصاد، لا يقل اليقين أهمية عن انخفاض الكلفة. فكثير من المستثمرين يفضلون اقتصاداً مستقراً بتكاليف معروفة على اقتصاد منخفض الكلفة لكنه شديد التقلب.

ومن زاوية أخرى، فإن تثبيت أسعار المحروقات يمثل شكلاً من أشكال "التأمين الاقتصادي". فكما تدفع الأسرة قسط تأمين لتجنب خسارة كبيرة مستقبلاً، قد تتحمل الحكومة كلفة محدودة اليوم لتجنب خسائر أكبر قد تنجم عن موجة تضخم جديدة أو تباطؤ في النشاط الاقتصادي أو تراجع في الاستهلاك.

وهنا يبرز سؤال مشروع: هل يعني ذلك أن تثبيت الأسعار يجب أن يستمر دائماً؟ الإجابة بالتأكيد هي: لا. فالسياسة الاقتصادية الناجحة تميز بين "الصدمة المؤقتة" و"التغير الهيكلي". فإذا كان ارتفاع أسعار النفط مؤقتاً نتيجة أحداث سياسية أو عسكرية، فإن امتصاص الصدمة يعد قراراً اقتصادياً رشيداً. أما إذا أصبح الارتفاع دائماً، فإن تثبيت الأسعار لفترة طويلة قد يفرض أعباء على المالية العامة ويؤدي إلى تشوهات في الاقتصاد.

هنالك العديد من الأمثلة في العالم لقرارات مشابهة، ومنها ما فعلته أستراليا خلال صدمة الطاقة الأخيرة حين قدمت تخفيضاً مؤقتاً لعبء الوقود على الشاحنات والحافلات، ثم أعلنت انتهاءه في 3 آب 2026. أيضاً، لم تكتفِ إسبانيا والبرتغال خلال أزمة الكهرباء الأوروبية، بدعم جميع المستهلكين مباشرة، بل وضعتا سقفاً لسعر الغاز المستخدم في توليد الكهرباء، أي تدخلتا في نقطة محددة من سلسلة تكوين السعر. كما استخدمت فرنسا دعماً واسعاً للطاقة والوقود خلال أزمة 2021–2022.

ينبغي النظر إلى قرار تثبيت الأسعار باعتباره جسراً زمنياً، وليس سياسة دائمة. فهو يمنح الاقتصاد فرصة لالتقاط الأنفاس، لكنه لا يغني عن الاستثمار في الحلول طويلة الأجل، مثل توسيع استخدام الطاقة المتجددة، وتحسين كفاءة النقل العام، وتشجيع الصناعات الأقل استهلاكاً للطاقة.

وربما تكمن الرسالة الاقتصادية الأهم في أن نجاح الحكومات لا يقاس دائماً بمدى تركها السوق يعمل وحده، ولا بمدى تدخلها في كل صغيرة وكبيرة، وإنما بقدرتها على اختيار اللحظة المناسبة للتدخل. ففي أوقات الاستقرار، يكون السوق أكثر كفاءة في توزيع الموارد، أما في أوقات الصدمات الاستثنائية، فإن التدخل المدروس قد يمنع خسائر اقتصادية تفوق بكثير كلفته المباشرة.

إن قرار تثبيت أسعار المحروقات في شهر آب ينبغي أن لا يُقرأ على أنه مجرد تثبيت لسعر الوقود، بل باعتباره سياسة لإدارة التوقعات، وحماية الثقة، ومنح الاقتصاد فرصة لمواصلة النمو بعيداً عن تقلبات أسواق الطاقة العالمية. وفي عالم يزداد اضطراباً، قد يكون الاستقرار الاقتصادي نفسه أحد أهم عناصر التنافسية.


 

 

شريط الأخبار التوجيهي أصبح امتحان قبول جامعي والثانوية ثلاث سنوات تحرك إيراني على 4 جبهات.. هل تستعد لضرب إسرائيل من كل الاتجاهات؟ اتحاد المزارعين يدعو الضمان للاستثمار في "زراعات النقص" والتنسيق مع المزارعين المحكمة الدستورية توقع ونظيرتها الفلسطينية مذكرة تفاهم في القضاء والعدالة اللواء الحراسيس يبحث التعاون الدفاعي مع شركة "نورينكو" الصينية الملك يتسلم التقريرين السنويين لأعمال السلطة القضائية والمحاكم الشرعية لعام 2025 الملك يوجه الحكومة لوضع استراتيجية وطنية متكاملة للتمويل المناخي أكثر من 3500 حكم لبدائل العقوبات والتوقيف و6700 لقضاء الأحداث في 2025 استحواذ شركة مرتفعات دابوق للتطوير العقاري احدى شركات المتكامله لتطوير الاراضي على اهم مجمع تجاري في دابوق فيروس جديد ينقله القراد يسبب أعراضا شبيهة بالإنفلونزا 13.6 مليون حجم التداول في بورصة عمان ارتفاع حركة بيع العقار في الأردن 7% خلال آب على أساس شهري امام القضاء الأردني .. اتهام معلمة بهتك عرض طالبة ! المركز الوطني للأمن السيبراني ودائرة الإحصاءات العامة يطلقان حملة توعوية قبل التعداد السكاني المهندس عبدالله البنا هذه اسباب ترشحي لانتخابات غرفة صناعة عمان رئيس لجنة الشكاوى..المواطن ومواقع التواصل لا تميز بين الخطا الطبي والمضاعفة الطبية ونشر ذلك على الإعلام يضر بالسياحة العلاجية في الأردن ماجد غوشة : نشاط ملموس في بيوعات الشقق خلال شهر آب والمؤشرات الإجمالية تستدعي مزيداً من التحفيز المجموعة العربية الأردنية للتأمين تكرّم الموظف قصي عبد الدايم بجائزة "الموظف المثالي" ترفيع ضباط إلى رتبة لواء وإحالتهم إلى التقاعد أمين عام للاتحاد العربي للنقل البري مالك حداد يطرح أولويات عمل مقترحة لترجمة المكتسبات الراهنة في العقبة