قرار الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بسحب القسم الاكبر من القوات الروسية في سورية اعتبارا من الغد الثلاثاء جاء مفاجئا، وينطوي على الكثير من "التسرع″ مما يوحي بأنه جاء كرد فعل على "امر ما” اغضب القيادة الروسية.
الجانبان الروسي والسوري قالا في بيانات رسمية ان هذه الخطوة جرى اتخاذها بالتنسيق بين الرئيسين بشار الاسد ونظيره الروسي بوتين، لان هذه القوات الروسية "انجزت” مهمتها، ولكن السؤال هو لماذا الآن، ومع بدء مفاوضات جنيف للوصول الى حل سياسي للازمة السورية برعاية الامم المتحدة؟
هناك تفسيران لا ثالث لهما لمثل هذه الخطوة الروسية التي خلطت الاوراق، واحدثت حالة من الارتباك على الصعيدين الاقليمي والدولي:
-
الاول: ان تكون القوات الروسية انجزت مهامها فعلا بعد ان وفرت الغطاء الجوي لقوات الجيش العربي السوري على الارض، وبما مكنه من استعادة مناطق كثيرة خسرها للمعارضة المسلحة خاصة في ريف حلب الشمالي، واغلاق الحدود التركية السورية، ومحاصرة مدينة حلب، والمرحلة الحالية مرحلة وقف الاعتداءات والمضي قدما في محادثات السلام.
-
الثاني: ان تأتي هذه الخطوة الروسية "الغاضبة” كرد على التصريحات التي ادلى بها السيد وليد المعلم، وزير الخارجية السوري، يوم السبت الماضي، وقال فيها ان الرئيس الاسد خط احمر وملك للشعب السوري، ولا انتخابات رئاسية وبرلمانية دون اشراف الحكومة السورية، او تلك التي ادلى بها اليوم الاثنين السيد بشار الجعفري، رئيس الوفد السوري المفاوض، وقال فيها انه لا يوجد شيء اسمه مرحلة حكم انتقالي ولذلك لن يتم التفاوض بشأنها، واعتبار واشنطن هذه التصريحات اجهاضا للمفاوضات، وخرقا لتفاهماتها مع موسكو.
***
نرجح الاحتمال الثاني في ظل المعلومات غير الكافية، فروسيا ربما تعرضت لضغود شديدة من قبل "شريكها” الامريكي بسبب هذه التصريحات التي تعتبرها المعارضة وداعمها الامريكي نسفا لمفاوضات جنيف في يومها الاول، لان هذه المعارضة تصر على المرحلة الانتقالية لهيئة حكم بصلاحيات كاملة، ورحيل الرئيس الاسد قبل بدئها.
لا نجادل مطلقا بأن سحب "الجزء الاكبر” من مجموعة الطيران الروسي الحربي، وابقاء مركز مكلف بضمان تحليقات طيران بهدف "مراقبة” تنفيذ شروط وقف الاعمال القتالية، جاء بالتنسيق مع القيادة السورية، ولكن المهم في هذه العجالة ليس "التنسيق” وانما "سحب” القوات والطيران المفاجيء.
هناك عدة امور ربما تترتب على هذا القرار السوري ميدانيا وسياسيا، على الارض، وفي المحافل الدولية، ومفاوضات جنيف التي لم تبدأ بشكل جدي بعد:
-
اولا: انسحاب الجزء الاكبر من مجموعة الطيران الحربي الروسي، ومعظمها طائرات حربية قاذفة ومقاتلة حديثة ومتطورة مثل طائرة "سوخوي 35″ التي تضاهي نظيراتها الامريكية، سيحدث "فراغا”، والطائرات السورية قديمة وغير متطورة، فمن سيملأ هذا الفراغ؟ ولا يمكن ان تكون بديلا للغطاء الجوي الروسي.
-
ثانيا: ما هو موقف ايران من هذه الخطوة الروسية المفاجئة، وهل يمكن ان تعوض قواتها وطائراتها هذا الانسحاب الروسي؟
-
ثالثا: هل القرار الروسي هذا جدي ام انه محاولة للضغط على القيادة السورية للاستماع الى "نصائحها” مثلما طالب فيتالي تشوركين مندوب روسيا الدائم في الامم المتحدة قبل اسبوعين، في ذروة غضب حكومته على تهديد الرئيس الاسد في مقابلة مع وسيلة اعلام اسبانية بعدم وقف اطلاق النار ومواصلة الحرب على الارهاب حتى تحرير جميع الاراضي السورية؟
-
رابعا: ماذا سيحدث في مفاوضات جنيف بعد هذه الخطوة الروسية، بمعنى آخر هل ستتراجع السلطات السورية عن رفضها اي تفاوض حول خريطة الطريق التي اتفق عليها الجانبان الروسي والامريكي، وتنص على الحكم الانتقالي وتعديل الدستور واجراء انتخابات برلمانية ورئاسية في غضون 18 شهرا؟ وهل ستضغط واشنطن على حلفائها في المعارضة للتراجع عن موقفها وتقدم تنازلات؟