كلما تأملت علاقة الإنسان بالمال وجدت أنه يضع في الورقة أكثر مما تحمله من حبر وأرقام. يضع فيها تعب أيامه، وطمأنينته إلى الغد وأمله في أن يجد حين يحتاج إليها من يقبلها بالقيمة التي يتوقعها. ولهذا يبدو لي أن السؤال عن العملة هو، في جانب منه، سؤال عن المستقبل الذي نأتمنها عليه.
تخطر لي هنا حكاية السحب على حمار ميت. حكاية ساخرة لا تصلح لتفسير اقتصاد العالم، لكنها تكشف شيئًا من طبيعتنا. فقد ننشغل باحتمال الربح حتى نؤجل السؤال عن أساسه وحين أستحضرها في الحديث عن الدولار، فإنني أستعير منها السؤال عن الثقة، دون أن أساوي بين عملة لها اقتصاد ومؤسسات وأسواق وبين جائزة لا وجود لقيمتها.
للدولار مكانة واسعة في التجارة والتمويل والاحتياطيات الدولية. وهذه المكانة تكونت عبر تاريخ طويل من القوة الاقتصادية وتراكم المصالح والعلاقات ومع اتساع استخدامه، أصبحت فائدته مرتبطة أيضًا بقبول الآخرين له. فالتاجر يقبله لأنه يستطيع أن يشتري به والمدخر يحتفظ به لأنه يتوقع أن يجد من يقبله غدًا. هكذا تمتد الثقة بين أناس قد لا يعرف بعضهم بعضًا.
لكنني أتساءل عن اللحظة التي يتحول فيها الاطمئنان إلى اعتياد. هل نواصل الثقة لأننا نراجع أسبابها، أم لأن مراجعتها أصبحت مرهقة؟ وقد يجتمع الأمران. فالإنسان يحتاج إلى قدر من الاستقرار كي يعيش، ولا يستطيع أن يعيد فحص العالم كل صباح، لكنه يدفع ثمنًا حين يمنح المألوف حصانة من السؤال.
بعد أكثر من أربعين عامًا في الطيران، أعرف أن الخبرة تحمل مسؤولية متجددة. تكرار الرحلة يمنح الطيار معرفة أوسع، لكنه قد يغريه بتوقع النتيجة قبل قراءة الظروف. ولهذا تبقى المراجعة ضرورية مهما طال سجل الرحلات الآمنة. فالطقس الذي عبرته بالأمس ليس تعهدًا بما ستجده اليوم.
وأرى أن النظر إلى الاقتصاد يحتاج إلى شيء من هذا التواضع. حجم الدين والعجز والسياسات النقدية مسائل تستحق الدراسة، لكن تحويلها إلى نبوءة بانهيار محتوم يتجاوز ما نستطيع معرفته. وبالمثل، فإن قوة العملة واستمرار الطلب عليها لا يمنحانها ضمانة أبدية. بين التهويل والاطمئنان المطلق مساحة يحتاج فيها العقل إلى الأدلة وإلى الاعتراف بحدود معرفته.
وقد تستمر مكانة الدولار طويلًا وقد تتغير تدريجيًا مع تغير موازين الاقتصاد وخيارات الدول والأسواق. لا أملك موعدًا لهذا التحول ولا أرى في القلق وحده معرفة. ما يشغلني هو قدرتنا على متابعة المؤشرات دون أن نجعل رغباتنا تفسيرًا لها ودون أن نحمل استعارة ساخرة أكثر مما تحتمل.
فالمال يحفظ جانبًا من جهد الإنسان لأنه يقوم على توقع الوفاء وحماية هذا التوقع تحتاج إلى مسؤولية بقدر ما تحتاج إلى قوة. أما نحن، الذين نضع في العملات بعض أعمارنا، فمن حقنا أن نفهم ما نثق به وأن نراجع أسباب اطمئناننا كلما تغيرت الظروف.
لقد علمتني السماء أن الثقة تنضج حين تصحبها يقظة وحين أتأمل المال اليوم، أجدني أعود إلى الدرس نفسه. نستطيع أن نطمئن وأن نبقي أعيننا مفتوحة.
