لا أستطيع أن أقرأ الانتخابات الإسرائيلية بمعزل عن وجوه أهلنا في غزة، ولا أن أنشغل بعدد المقاعد وأنسى الذين لم يعد لهم مقعد في بيت ولا بيت يعودون إليه. يبدو الاحتفال بتقدّم هذا المرشح أو تراجع ذاك بعيدًا عن المعنى، حين تكون حياة شعب كامل معلّقة بين انتظار النجاة وانتظار العدالة.
يغيب بنيامين نتنياهو أو يبقى، ويتقدّم غادي آيزنكوت أو يتعثر، فلا أرى في تبدّل الاسم سببًا كافيًا للاطمئنان وكما نقول في الأردن -الخلّ أخو الخردل- قد تتفاوت المرارة، لكن من يتجرّعها يعرف أن اختلاف مذاقها لا يجعلها ماءً.
لست أقول إن الأشخاص متطابقون، بل إن الفروق بينهم تفقد قيمتها الأخلاقية حين لا تغيّر مصير الواقعين تحت سلطتهم. ما قيمة خطاب أكثر هدوءًا إذا بقي الفلسطيني عاجزًا عن حماية طفله؟ وما معنى قيادة تحظى بقبول أكبر في الخارج إذا ظلّ ثمن قبولها يُدفع من حياة الآخرين؟ أخشى أحيانًا أن يصبح تحسين صورة السياسة بديلًا عن تغييرها، وأن يرتاح العالم إلى المتحدث الجديد، ثم يمنح المأساة وقتًا إضافيًا.
في غزة ينكشف هذا الخلل بأقسى صوره. هناك لا يجوز أن يصبح بقاء الإنسان حيًا سقفًا لطموحه ولا أن يُختزل حقه في وطن إلى قدرته على الحصول على رغيف. حين تُفصل الإغاثة عن الحرية، يصبح المطلوب إبقاء الفلسطيني قادرًا على احتمال وضع لا ينبغي أن يُفرض عليه أصلًا وحين نكتفي نحن بالدعاء له ثم نعود إلى انشغالاتنا، نخشى أن نكون قد تعلّمنا التعايش مع مأساته أكثر مما تعلّمنا الوقوف إلى جانبه.
لقد نسينا أهلنا بطريقة أشد قسوة من النسيان الكامل. نذكرهم، لكن حضورهم لم يعد يغيّر ترتيب أولوياتنا. نغضب، لكن الغضب صار موعدًا عابرًا ونتابع أخبارهم حتى نكاد نعرف تفاصيل الألم كلها، ثم نعجز عن حماية معناه من التحوّل إلى خبر مألوف.
وفي الضفة الغربية، أرفض أن تُناقش حياة الفلسطيني كأنها مسألة تسهيلات يمنحها صاحب السلطة ويسحبها. حرية الحركة والعيش على الأرض والأمان في البيت حقوق ولا تصبح مكرمة لأن الاحتلال يملك تعطيلها. وكل حديث عن تحسين الظروف يظلّ ناقصًا ما دام يتجنّب السؤال عن أصل السلطة التي تتحكّم بهذه الظروف.
أما الدولة الفلسطينية، فقد سئمت انتظارها في نهاية كل خطاب. أخشى أن يتحوّل الوعد بها إلى وسيلة لإدارة الوقت، يُطلب خلالها من الفلسطيني أن يظلّ صبورًا، بينما تُرحّل سيادته من جولة سياسية إلى أخرى. الدولة عندي حق له أرض وحدود واستقلال، وكل صيغة تُبقي القرار الفلسطيني مرهونًا بإرادة غيره تُبقي السؤال مفتوحًا مهما حملت من أسماء.
ومن فلسطين أنظر إلى سوريا ولبنان وإيران. تختلف القضايا والمواقف، ولي على سياسات هذه الدول ما يمكن نقده، لكنني أرفض أن تتحوّل خلافاتنا معها إلى قبول باستباحة أرضها أو حياة أهلها. لا أطمئن إلى مفهوم للأمن يمنح طرفًا حق تحديد مقدار القوة الذي يسمح للآخرين بامتلاكه، ثم يجعل خوفه هو حجة دائمة لإبقائهم خائفين. وأرفض كذلك أن تصبح شعوب المنطقة وقودًا لحسابات حكوماتها أو خصوم تلك الحكومات.
لهذا لا أنتظر من غياب نتنياهو وحده خلاصًا، ولا أرى في وصول آيزنكوت وعدًا يستحق التصديق قبل اختباره. معياري غزة والضفة الغربية وقيام دولة فلسطينية ذات سيادة وحق شعوب سوريا ولبنان وإيران في الأمان. عند هذه الحقوق يتبيّن معنى الاختلاف بين الحكومات.
حتى يحدث تغيير يمكن للناس أن يعيشوه، سأظلّ أرى أن الإفراط في التعويل على الأسماء يريح ضمير المتفرّج أكثر مما ينصف الضحية ومن حق أهلنا علينا أن نبقي حقوقهم في مقدمة الحديث وألّا نتركها تضيع مرة أخرى وسط أخبار الفائزين.

