في كنيسة حمود بالكرك، اجتمع أردنيون ليودّعوا عزيزًا عليهم، فاقتحم القتلة جنازتهم وحوّلوا لحظة الحزن إلى فاجعة وطن. سقط تسعة ضحايا، وترك الاعتداء في قلوب أهلهم وجعًا لا تزيله الكلمات. لم تكن الجريمة موجهة إلى كنيسة وحدها، بل إلى الأردن الذي نعرفه وننتمي إليه، الأردن الذي تتجاور فيه المساجد والكنائس ويعرف أبناؤه أن اختلافهم في العبادة لا ينتقص من وحدتهم في الوطن وحين يُعتدى على أردني في صلاته أو عزائه، فإن الكرامة الوطنية كلها تُجرح.
أنا أردني، وأقف إلى جانب دولتي في مواجهة الإرهاب. أقف معها لأن واجبها الأول حماية الناس ولأن من حق الأردني أن يذهب إلى كنيسته أو مسجده أو مجلس عزاء، وهو مطمئن إلى أن حياته مصونة وأن هناك دولة تحميه وتلاحق من يهدده.
ليس مطلوبًا من الأردن أن ينتظر جريمة أخرى حتى يثبت أن الخطر حقيقي. لقد دخل الإرهاب إلى بيت من بيوت الله، وأطلق النار على أناس جاءوا يواسون أهل فقيدهم وأمام هذا المشهد، لا يجوز أن يُطلب من الدولة أن تكتفي بالغضب والبيانات، فيما يظل مواطنوها عرضة للتهديد.
أعلنت قواتنا المسلحة تنفيذ عملية -الردع الأردني – حمود- في جنوب سوريا وقالت إنها استهدفت مواقع لتنظيمات إرهابية مرتبطة بمنفذي الاعتداء وأوضحت الحكومة الأردنية أن العملية استندت إلى معلومات ميدانية عن تهديدات وعمليات إرهابية ضد المملكة وأن نتائجها الأولية تشير إلى مقتل أكثر من عشرين عنصرًا من تنظيم داعش.
أساند دولتي في ملاحقة من يهدد أمن الأردن وأرى أن حماية الأردنيين مسؤولية يجب أن تؤديها الدولة بحزم ووعي. فالأمن ليس شعارًا، بل هو حق الإنسان في أن يعيش يومه من دون خوف من قاتل يتربص به وبأهله. وفي الوقت نفسه، نحزن ونتألم لسقوط مدنيين سوريين وبينهم أطفال أبرياء. نعزي عائلاتهم من القلب ونتفهم وجعها، ونتمنى الشفاء للمصابين وقد أعربت الحكومة الأردنية عن أسفها لسقوط ضحايا مدنيين وأعلنت العمل مع الأشقاء السوريين على متابعة تداعيات العملية وتعزيز التنسيق بين البلدين.
إن دماء الأطفال توجعنا أينما سقطت وحياة المدني السوري عزيزة علينا كما هي حياة المدني الأردني والدفاع عن أمن وطننا يحمل معه واجب الحرص على الأبرياء والتحقق مما جرى، واتخاذ كل ما يمكن لحمايتهم. نحن نعرف سوريا وشعبها ونعرف أن ما بيننا أكبر من الحدود وأعمق من لحظة غضب وقف الأردنيون إلى جانب أشقائهم السوريين وفتحوا لهم بيوتهم وقلوبهم في سنوات المحنة وسيبقى أمن سوريا واستقرارها مصلحة أردنية، كما يبقى أمن الأردن واستقراره مصلحة لشعبينا.
ولذلك فإن معالجة ما جرى بالحوار والتعاون بين عمّان ودمشق هي الطريق الذي يحفظ حق البلدين ويحاصر الإرهاب. أما تحويل الألم إلى خصومة بين شعبين شقيقين، فلا يخدم إلا من يريد أن يرى المنطقة ممزقة وخائفة.
غير أن سؤالًا يفرض نفسه على كل من رفع صوته غاضبًا من الأردن. أين كان هذا الغضب وأين كانت هذه التعبئة، أمام التوغلات الإسرائيلية المتكررة في الأرض السورية؟ لقد وثّقت الشبكة السورية لحقوق الإنسان ما لا يقل عن 453 توغلًا بريًا إسرائيليًا داخل سوريا بين الثامن من كانون الأول 2024 والسادس من تشرين الأول 2026 إلى جانب مقتل ما لا يقل عن 69 شخصًا وتسجيل حالات احتجاز تعسفي وكل توغل من هذه التوغلات يثير سؤالًا عن السيادة والأمن وحق السوريين في العيش على أرضهم بكرامة.
نعلم أن إدانات كثيرة صدرت للانتهاكات الإسرائيلية ونقدّر كل صوت رفضها. لكننا نتساءل عن بعض الأصوات التي تخفت أمام إسرائيل، ثم ترتفع سريعًا حين يكون الأردن في موضع الاتهام. لماذا لا نرى عند كل توغل إسرائيلي القدر نفسه من الاستنفار الذي رأيناه في مواجهة الأردن؟
الأردن يقول إنه تحرك لمواجهة تنظيمات إرهابية تهدد مواطنيه بعد جريمة وقعت على أرضه. أما إسرائيل فلها سجل موثق من التوغلات والعمليات العسكرية المتكررة داخل الأراضي السورية ومن الإنصاف أن تُقرأ الأفعال في سياقها وأن تُفهم دوافعها وآثارها وأن يُطبَّق المعيار الذي يحمي المدنيين ويحترم سيادة سوريا على الجميع.
نحن لا نطلب لأحد صمتًا عن ألم السوريين ولا نقبل أن يُستهان بحياة طفل أو مدني. ما نطلبه هو أن يُسمع ألم الأردن أيضًا، وأن يُنظر إلى حقه في حماية أبنائه بجدية وأن تُقابل الانتهاكات الإسرائيلية بالموقف الواضح والصوت المرتفع نفسيهما.
من كنيسة حمود يبدأ موقفي. هناك أرواح بريئة تنتظر العدالة وعائلات تستحق أن تشعر بأن وطنها لن يترك دماء أبنائه من دون ملاحقة لمن سفكها وهناك دولة نثق بقدرتها على حماية أهلها ونتطلع إلى أن تواصل العمل مع أشقائها لحماية أمن المنطقة وأرواح الأبرياء.
أقف مع الأردن في وجه الإرهاب وأترحم على ضحايا كنيسة حمود وأعزي أسر المدنيين السوريين، وأدعو إلى أن يبقى صوت الحق واحدًا، لا يتغير بتغير اسم الدولة أو مكان الضحية.
.
