قرأت عن رجل فكّر في تأجير كرشه للإعلانات، فابتسمت وقلت إن ضيق الحال يفتح أبواب الخيال. ثم شاهدت الشاب التركي ياسين جنكيز يهزّ بطنه على الموسيقى ويظهر في إعلانات المطاعم، فعدّلت جلستي ونظرت إلى بطني بشيء من العتاب. سنوات ونحن نأكل معًا وأنا أتحمل المصاريف ولم يفكر يومًا في المساهمة بفاتورة الكهرباء. يبدو أنني أسأت إدارة هذا الأصل واكتفيت بتغذيته دون أن أبحث له عن وظيفة.
وقفت أمام المرآة أحاول اكتشاف مؤهلاته. طلبت منه حركة بسيطة تؤكد استعداده لدخول السوق، فتحركت كتفاي وطقطقت ركبتي وبقي هو محتفظًا بوقاره. حاولت مرة ثانية، فشعرت بدوار وجلست. خبرتي بالطيران علمتني أن ألغي الإقلاع عند ظهور خلل، خصوصًا إذا كان الخلل في الهيكل كله.
كنت أظن أن الوصول يحتاج إلى تعب وتدريب وصبر، فإذا برجل يصل إلى جمهور واسع وهو واقف أمام وجبة. راجعت ذاكرتي وتذكرت الفحوص والاختبارات وساعات التحضير التي تسبق الرحلة. كل ذلك كي أحافظ على ثبات الطائرة، بينما يبدو أن فرصتي الجديدة في الحياة تتطلب إتقان الاهتزاز.
تخيلت أنني دخلت شركة إعلانات أحمل ملفًا عن خبرتي وما تعلمته من العمر والعمل. قلّب الموظف الأوراق وسألني عن عدد المتابعين. أخبرته أنني أجيد تقدير المخاطر واتخاذ القرار تحت الضغط، فسأل إن كنت أستطيع عرض ذلك في سبع ثوانٍ مع موسيقى. حاولت شرح أهمية الخبرة، لكنه كان قد وصل إلى خانة المقاسات. خرجت وأنا أفكر في تحديث سيرتي الذاتية، وإضافة صورة من الجانب، لعل مؤهلاتي تظهر من زاوية أخرى.
لا ألوم الشاب على نجاحه. وجد من يضحك لحركته، واستفاد من الفرصة وأنا ضحكت مثل غيري. لكنني انتبهت إلى نفسي بعدما أعدت المقطع وقرأت التعليقات، وانتقلت إلى مقاطع أخرى. كنت قد تركت مقالًا بحجة أنه طويل، ثم أمضيت وقتًا أطول أراقب الحركة نفسها. يومها شعرت أن الاعتراض على سخافة المحتوى يحتاج أولًا إلى مراجعة سجل المشاهدة.
نحن جمهور متعاون أكثر مما نعترف. نشكو من انتشار التفاهة، ونرسلها إلى أصدقائنا كي يشاهدوا إلى أين وصلنا. ندخل في نقاش طويل تحت مقطع لا يستحق وقتنا، فتستنتج المنصة أننا متعلقون به، وتكرمنا بالمزيد. حتى غضبنا وجدوا له وظيفة. صار يعمل في قسم التسويق دون راتب.
في قمرة القيادة تعلّمت أن أوزع انتباهي بعناية. لا يجوز أن أنشغل بعداد واحد وأنسى بقية الأجهزة. أمام الهاتف يختفي هذا الانضباط بسهولة عجيبة. تدخل لتقرأ خبرًا، فتخرج بعد نصف ساعة وأنت تعرف ماذا أكل شخص لا تعرفه، وكيف علّق عليه شخص آخر لن تقابله، بينما تظل الرسالة التي دخلت لقراءتها تنتظر.
وتخيلت لو أن مقاييس الشهرة دخلت عالم الطيران. يهبط قائد في ظروف صعبة، فيقال له إن زاوية التصوير لم تخدم الإنجاز. وينهي آخر رحلة هادئة، فيطلب منه خبير التسويق شيئًا يشد الجمهور في المرة المقبلة. أما الهبوط الذي تتطاير فيه الأغراض، فقد يحصد إعجابًا أكبر، خصوصًا إذا التقطت الكاميرا وجه راكب يتمنى لو أنه سافر بالحافلة. عندها سأخشى على الركاب من مدير المحتوى أكثر مما أخشى عليهم من الطقس.
المقلق أن نعتاد تقييم العمل بما يثيره من ضجة. أن يخجل صاحب المعرفة من هدوء ما يقدمه، ويحاول أن يضيف إليه صراخًا كي يجد من يسمعه. وأن ينشأ شاب وهو يسأل كيف أجذب الأنظار، قبل أن يعرف ماذا سيفعل بها حين تتجه إليه. الشهرة سريعة إلى حد يسمح للإنسان بأن يصل قبل أن يحدد وجهته، ثم يقضي بقية الطريق خائفًا من أن ينساه الناس إذا توقف ليفكر.
أما كرشي، فقد أعفيته من المسؤولية. لا ذنب له في أنني اكتشفت متأخرًا وجود سوق لمواهبه المحتملة. يكفيه ما يحمله من وجبات مؤجلة الحساب، وسهرات كنت أؤكد في نهايتها أنني سأبدأ المشي صباحًا. بعض الوعود يترك أثرًا واضحًا في صاحبه.
جلست أكتب عن هذه السخافة، ثم فتحت الهاتف لأتأكد من اسم الشاب التركي. شاهدت له ثلاثة مقاطع إضافية، حرصًا على دقة البحث طبعًا. وحين أغلقت الشاشة، وجدت أنني ساهمت مرة أخرى في نجاح الظاهرة التي أقلقتني.
هو هزّ كرشه، وأنا منحته وقتي، والمنصة استفادت من الاثنين.