عقدت العزم على تجديد ترخيص سيارتي إلكترونيًا، قبل انتهاء الترخيص مع نهاية الشهر، وقلت في نفسي: ما دام عندنا تطبيق «سند»، فلماذا أذهب إلى مراكز الترخيص وأضيّع وقتي في الطريق والانتظار؟ أليست هذه هي الحكومة الإلكترونية التي نطمح إليها؟
فتحت التطبيق، وبدأت الإجراءات بكل تفاؤل ، طلب مني دفع رسوم التأمين، فدفعت إلكترونيًا، وما هي إلا لحظات حتى وصلتني وثيقة التأمين برسالة إلكترونية. هنا ارتفعت معنوياتي، وقلت: الله يعطي العافية لكل من ساهم في تطوير الخدمات الرقمية في وطننا، يبدو أن الأمور تسير كما ينبغي!
لكن، وكما يقول المثل الشعبي: «يا فرحة ما تمّت»!
عدت إلى تطبيق «سند» لاستكمال الإجراءات ودفع رسوم الترخيص، فإذا بالنظام يخبرني، بطريقة أو بأخرى، أن التأمين لم يُدفع! مع أنني دفعت، والوثيقة وصلتني، والدليل موجود في هاتفي. يبدو أنني مؤمَّن عند شركة التأمين، لكنني لم أصبح مؤمَّنًا بعد في نظر نظام الترخيص!
اتصلت بمركز الاتصال الحكومي، فأُبلغت بأن تحديث البيانات قد يستغرق ساعتين ، انتظرت أكثر من ساعتين، ثم عاودت الاتصال، لأحصل على نصيحة جديدة: تواصل مع مركز الاتصال الخاص بشركات التأمين حتى يتم ترحيل بيانات التأمين، وبعدها يمكنك استكمال معاملتك!
وهنا توقفت قليلًا، وبدأت أتساءل: هل أنا أجدد ترخيص سيارتي، أم أشارك في اختبار عملي لمدى قدرة الأنظمة الحكومية على التواصل فيما بينها؟
المفارقة الساخرة أنني دفعت إلكترونيًا، واستلمت وثيقة إلكترونية، لكنني لم أستطع إكمال معاملتي إلكترونيًا!
والأكثر إثارة للاستغراب أن زيارة أحد مواقع الترخيص التابعة للأمن العام قد لا تستغرق مني أكثر من نصف ساعة، أنجز خلالها المعاملة كاملة، بينما أحتاج إلى ساعات من الانتظار والاتصالات لمحاولة إنجازها عبر التطبيق الذي يفترض أنه وُجد لتوفير الوقت والجهد.
ولنكن منصفين؛ فالمشكلة ليست بالضرورة في تطبيق «سند» نفسه، ولا في الموظف الذي يجيب عن الهاتف، بل في السؤال الأهم: لماذا لا تنتقل البيانات بين الجهات والأنظمة بصورة فورية ومتكاملة، ما دامت عملية الدفع قد تمت ووثيقة التأمين قد صدرت؟
أليس الهدف من التحول الرقمي أن تعمل الأنظمة معًا، لا أن يتحول المواطن إلى ساعي بريد إلكتروني، يتنقل بين شركة التأمين ومركز الاتصال الحكومي وتطبيق «سند»، حتى يُقنع كل نظام بأن النظام الآخر قد أنجز مهمته؟
وهنا نصل إلى جوهر القضية: هل نريد حكومة إلكترونية متكاملة، أم مجموعة من الخدمات الإلكترونية المنفصلة، لكل منها نظامها وإجراءاتها وانتظارها الخاص؟
التحول الرقمي ليس أن ننقل المعاملة الورقية إلى شاشة الهاتف، ثم نترك المواطن ينتظر تحديث البيانات، ويتصل بهذه الجهة وتلك، ليكمل ما كان يستطيع إنجازه بزيارة واحدة. التحول الحقيقي هو أن تتكامل قواعد البيانات، وتتبادل الأنظمة المعلومات تلقائيًا، وتُنجز المعاملة من بدايتها إلى نهايتها دون تدخل المواطن في الربط بين المؤسسات.
لقد قطع الأردن خطوات مهمة في مسيرة التحول الرقمي، ولدينا كفاءات وطنية قادرة على تطوير خدمات أفضل. لكن النجاح لا يُقاس بعدد الخدمات الموجودة على التطبيقات، ولا بعدد مرات ظهور عبارة «خدمة إلكترونية»، بل بما يشعر به المواطن من توفير للوقت والجهد، وبمدى سهولة إنجاز معاملته من أول محاولة.
وإذا كانت هذه تجربة تجديد ترخيص سيارة، فما بالك بمعاملات أكثر تعقيدًا تحتاج إلى ربط عدة مؤسسات حكومية؟
لسنا بحاجة إلى مزيد من التطبيقات بقدر حاجتنا إلى تكامل حقيقي بينها، وإلى جهة تتحمل مسؤولية التنسيق، وتضع معايير واضحة لسرعة تحديث البيانات، وتتابع الأعطال، وتحاسب على التأخير، بحيث لا يبقى المواطن رهينة سؤال واحد: متى سيظهر الدفع على النظام الآخر؟
أما أنا، فقد بدأت رحلة تجديد الترخيص بثقة المواطن الذي يريد إنجاز معاملته من أريكته، وانتهيت أتساءل: هل جددت تأمين سيارتي، أم حجزت مقعدًا في دورة تدريبية عن التنسيق بين الأنظمة الحكومية؟!
حمى الله الأردن، ووفّق كل من يعمل بإخلاص لتطوير مؤسساته. فطموحنا ليس أن نقول إن لدينا حكومة إلكترونية، بل أن يشعر المواطن بأنه يعيش فعلًا تجربة حكومة إلكترونية متكاملة؛ حكومة تختصر عليه الطريق، لا أن تجعل الطريق الرقمي أطول من الطريق إلى مركز الترخيص.