قيل قديماً إن الإشاعة شيء لا سيقان له، لكنه يتحرك بسرعة الريح ، فكيف بها اليوم في عصر الفضاء الإلكتروني، حيث أصبحت تتجاوز سرعة انتشارها كل التوقعات، وتصل إلى أطراف العالم قبل أن تتمكن الحقيقة من ارتداء ثوبها!
مع التطور التكنولوجي واتساع تأثير منصات التواصل الاجتماعي، وفي ظل غياب الشفافية أو التأخر في توفير المعلومات الرسمية، تجد الإشاعة بيئة خصبة للنمو والانتشار، وتصبح المعلومات المغلوطة أحياناً أكثر تداولاً من الحقائق نفسها ، ويزيد من خطورة المشهد نشاط ما يُعرف بالذباب الإلكتروني، الذي يتعمد تضخيم الأخبار المفبركة وتوجيه الرأي العام، مستفيداً من سرعة التفاعل وضعف التحقق لدى البعض.
وليس الأمر مجرد انطباعات ، فقد أظهرت دراسة لمعهد ماساتشوستس للتكنولوجيا (MIT) أن الأخبار الكاذبة تنتشر على منصة تويتر سابقاً، «إكس حالياً»، بوتيرة تفوق الأخبار الصحيحة بنحو 70%، في مؤشر خطير على حجم التحدي الذي نواجهه.
ولعلنا نتذكر ما كتبه جلالة الملك عبدالله الثاني حفظه الله عام 2018، عقب حادثة البحر الميت، حين أطلق وصف «مواقع التناحر الاجتماعي» على بعض منصات التواصل، في موقف وطني واضح، وأكد جلالته عبارته التي لا تزال تحمل دلالات عميقة: «إن كل من يسيء إلى أردني، سواء من عائلتي الأردنية الكبيرة أو الصغيرة، فهو يسيء لي شخصياً».
وهنا يبرز السؤال السياسي الذي لا يجوز تجاهله: هل يكفي أن نطالب المواطن بعدم تصديق الإشاعات، بينما لا يجد أحياناً المعلومة الرسمية في الوقت المناسب؟ وهل يمكن مواجهة حملات التضليل بمجرد النفي بعد انتشارها، أم أن المطلوب سياسة إعلامية حكومية استباقية تقوم على الشفافية والمصارحة وسرعة الاستجابة؟
إن مسؤولية مواجهة الإشاعة لا تقع على المواطن وحده ، فالحكومة مطالبة بتوفير المعلومة الدقيقة، وعدم ترك فراغ إعلامي تملؤه الاجتهادات والتسريبات والتأويلات ، كما أن المؤسسات الرسمية مطالبة بأن تدرك أن الصمت في عصر السرعة ليس دائماً موقفاً محايداً، بل قد يكون مساحة مفتوحة أمام من يريد العبث بالوعي العام والثقة بالمؤسسات.
نحن لا نطالب بكشف ما تمليه اعتبارات الأمن الوطني أو خصوصية العمل العام، وإنما نطالب بحق المواطن في المعرفة، وبإعلام رسمي مهني وشفاف، يسبق الإشاعة ولا يلاحقها.
فالأوطان لا تحميها الشعارات وحدها، والثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة لا تُبنى بحجب المعلومة، بل بالمصارحة والإنجاز.
حمى الله الأردن، قيادةً وشعباً، وأدام عليه نعمة الأمن والاستقرار.