نقرأ ونسمع كثيرًا عن «الرموز الوطنية» في عالمنا العربي، وكأننا أمام لقب لا يكتمل وجاهة صاحبه إلا به ، لكن السؤال الذي يستحق أن يُطرح: من يصنع الرمز؟ التاريخ والمواقف وخدمة الوطن، أم المناصب والعلاقات والقدرة على الاقتراب من أصحاب النفوذ؟
في رأيي، الرمز الحقيقي، رجلًا كان أم امرأة، ليس صاحب منصب عابر، ولا شخصًا تحيط به الأضواء والمجاملات، بل إنسان يمتلك كاريزما صادقة، ويحمل في قلبه محبة وطنه والإخلاص له، ويترجم انتماءه إلى مواقف وعمل وعطاء، لا إلى صور وبروتوكولات وألقاب.
لكن الطريف المبكي في بعض مجتمعاتنا العربية أن الرموز، على ما يبدو، أصبحت تُورَّث كما تُورَّث الممتلكات! رمز يُمهّد الطريق لرمز، وأب يفتح الأبواب لابنه، وعلاقات تُنسَج بعناية، حتى يخيل إليك أن صناعة الرموز أصبحت مشروعًا عائليًا لا علاقة له بالإنجاز أو الاستحقاق!
وتأملوا المشهد قليلًا: بعضهم يرتاد النوادي ذات الاشتراكات الباهظة، ليس حبًا بالرياضة أو بحثًا عن الصحة فحسب، بل طمعًا في لقاء شخصية نافذة، فلعل السلام يتحول إلى معرفة، والمعرفة إلى مصلحة، والمصلحة إلى لقب جديد في قائمة الرموز!
وآخرون يختارون مدارس أبنائهم وفقًا لأسماء أولياء الأمور، لا وفقًا لجودة التعليم وحدها؛ فالمهم أن يجلس الابن بجوار ابن الرمز، لعل زمالة مقاعد الدراسة اليوم تصبح جسرًا إلى النفوذ غدًا! وهكذا تتحول بعض تفاصيل حياتنا من اختيارات تربوية واجتماعية إلى استثمارات بعيدة المدى في العلاقات والمصالح.
ولعل المفارقة أن بعض من يسعون إلى الاقتراب من الرموز لا يبحثون عن فكرها أو تجربتها أو قيمها، بل عما يمكن أن تمنحهم إياه من امتيازات ، وكأن قيمة الإنسان لم تعد فيما يقدمه لوطنه، بل في عدد الأبواب التي يستطيع فتحها بفضل معارفه!
ومع ذلك، فإن أكثر ما يدعو إلى التأمل اليوم أن التطور التقني، ووسائل التواصل الاجتماعي، وسهولة تداول المعلومات، بدأت تُسقط كثيرًا من الأقنعة؛ فما كان يُخفى خلف الصور اللامعة والخطابات المنمقة بات أكثر عرضة للكشف والمساءلة ، فالصورة قد تصنع شهرة، والعلاقات قد تصنع نفوذًا، لكنهما لا تصنعان تاريخًا مشرّفًا.
ومع ذلك، فالإنصاف واجب؛ فليس كل صاحب مكانة متسلقًا، ولا كل شخصية معروفة تفتقر إلى الاستحقاق، لكن المشكلة تبدأ حين يصبح اللقب أهم من صاحبه، والمظهر أهم من الجوهر، والولاء للأشخاص مقدمًا على الولاء للوطن.
خلاصة القول: الرمز الحقيقي لا يحتاج إلى من يروّج له، ولا إلى نادٍ باهظ الثمن ليصنع مكانته، ولا إلى مدرسة يدرس فيها أبناء النافذين ليكتسب قيمته ، الرمز تصنعه مواقفه حين تُختبر، ويثبته عطاؤه حين يغيب المنصب، ويحفظه التاريخ حين تسقط الألقاب.
فالوطن أكبر من رموزه، والرموز الحقيقية أكبر من المناصب، أما الرموز المصنوعة بالعلاقات والوراثة، فسرعان ما يكشفها الزمن، وقد تسبقها التكنولوجيا إلى ذلك!
فهل نحتاج حقًا إلى مزيد من الرموز، أم نحتاج إلى مزيد من المواقف التي تستحق أن يُشار إليها بالبنان؟