من مفارقات الحياة أننا ما زلنا نقيس الرفاهية بمعايير الأمس، رغم أن العالم يتغير بسرعة مذهلة، وأن احتياجات الإنسان تتطور بتطور الزمن والتكنولوجيا.
فهل ما زال الهاتف المحمول رفاهية، وقد أصبح وسيلة أساسية للتواصل وإنجاز المعاملات ومتابعة شؤون الحياة؟ وهل امتلاك السيارة دليل على الثراء، في ظل غياب النقل العام المنتظم في بعض الأماكن، حتى لو كانت السيارة مرهونة بأقساط شهرية تثقل كاهل صاحبها؟
وماذا عن الغسالة والثلاجة في كل بيت؟ هل أصبحتا من مظاهر الترف، أم أنهما من ضروريات الحياة، خصوصًا للأسرة التي تعمل فيها الأم؟ وماذا عن أجهزة التكييف في ظل ارتفاع درجات الحرارة، ووسائل التدفئة التي أصبحت تكلف الأسر مبالغ باهظة في الشتاء؟
الحقيقة أن ما كان يُعدّ رفاهية بالأمس أصبح ضرورة اليوم، وأن معايير الرفاهية تختلف باختلاف الزمان والمكان والظروف المعيشية ، فما يمثل نقلة نوعية لأسرة تعيش في خيمة أو بيت شعر، قد يكون أمرًا عاديًا لأسرة أخرى تعيش في منزل حديث.
لكن المشكلة تكمن في اختزال الرفاهية بالمظاهر الخارجية؛ فليس كل من يمتلك سيارة فارهة يعيش في بحبوحة مالية، وليس كل من يسكن منزلًا واسعًا ينعم براحة البال ، فقد تخفي هذه المظاهر وراءها ديونًا والتزامات مالية ترهق أصحابها.
إن قياس مستوى المعيشة يحتاج إلى نظرة موضوعية تأخذ في الحسبان الدخل، والقدرة الشرائية، وتكاليف الحياة، والالتزامات المالية، ومدى قدرة الأسرة على تلبية احتياجاتها الأساسية دون قلق أو استدانة.
لقد تغيرت الحياة، فهل تغيرت معها معاييرنا؟
علينا أن نبتعد عن الأحكام الجاهزة، وألا نقيس واقع اليوم بمقاييس الأمس، أو نعتبر كل ما يمتلكه الإنسان من أدوات الحياة الحديثة دليلًا على الثراء والرفاهية.
فالرفاهية الحقيقية ليست في كثرة ما نملك، بل في قدرتنا على العيش بكرامة واستقرار، وتلبية احتياجات أسرنا، والاستمتاع بحياة لا تثقلها الديون والهموم.
فهل نعيد النظر في مفهوم الرفاهية، أم نظل أسرى معايير تجاوزها الزمن؟