كيف تصبح حزبياً فجأة، بعد أن قضيت عمرك تلعن الأحزاب؟
المفارقة ليست في أن يغيّر السياسي موقفه؛ فمراجعة الأفكار فضيلة.
المفارقة أن ينتقل من «الحزبية بلاء» إلى «الحزبية قدر الأمة» من دون أن يشرح ماذا تغيّر في فكره… أو في الواقع!
فالناس لم تملّ من الأحزاب عبثاً. هناك أسباب موضوعية: هياكل مغلقة، مركزية، ضعف المشاركة الداخلية، فجوة مع المجتمع، وتحوّل بعضها إلى منصات انتخابية أكثر من كونها مشاريع سياسية واجتماعية.
لذلك، ربما لم يعد السؤال: كيف نعيد الناس إلى الأحزاب؟
بل: كيف نعيد السياسة إلى الناس؟
الأحزاب ستبقى جزءاً من الديمقراطية، لكنها لم تعد الطريق الوحيد إليها. وربما تكون المرحلة المقبلة أكثر ملاءمة لـالحركات الاجتماعية والتيارات الديمقراطية التي تتحرك من القضايا اليومية، والبلديات، والشباب، والنساء، والنقابات والمجتمع المحلي؛ من القاعدة إلى الأعلى، ومن المشاركة الموسمية إلى الفعل السياسي المستمر.
فبعد أن مللنا من الحزبية التقليدية، لا نحتاج إلى استبدال لافتة بلافتة، بل إلى تغيير طريقة ممارسة السياسة نفسها.
أما الذاكرة السياسية، فلا تحتاج إلى حملة علاقات عامة… ولا إلى معطف سياسي واسع يخفي آثار الانقلابات الفكرية.
غيّر موقفك كما تشاء… لكن لا تطلب من الناس أن يغيّروا ذاكرتهم معك.






