إذا كان الأردن يتحدث عن التحديث الاقتصادي والإداري والسياسي، فكيف يمكن قياس جاهزيته للأعمال الجديدة والاستثمار والمستقبل، بينما لا تتوافر له بيانات مصنفة ومنهجية تسمح حتى بإدخاله في بعض المؤشرات العالمية؟
تقييم «الجاهزية لأنشطة الأعمال» يكشف مشكلة أعمق من مجرد غياب الأردن عن التصنيف؛ إذ إن التقرير الدولي الذي يقيس جاهزية 50 اقتصاداً يعتمد على ركائز ومجالات متعددة، من التجارة الدولية وتسوية المنازعات إلى العمالة والتنظيم وغيرها، بينما لا تتوافر للأردن بالضرورة بيانات حديثة وموحدة وفق المنهجية نفسها.
المشكلة إذن ليست فقط أن الأردن خارج المؤشر؛ المشكلة أنه خارج منظومة القياس المقارن نفسها.
وهنا تتجاوز القضية مسألة إحصائية لتصبح قضية حوكمة وتحديث: البيانات غير المصنفة لا تنتج معرفة قابلة للمقارنة، والمعرفة غير القابلة للمقارنة تضعف الشفافية، وتحد من المساءلة، وتترك مساحة واسعة للتقدير والانطباع بدلاً من القرار المبني على الأدلة.
الجيل الجديد لن يقبل طويلاً أن تُدار الدولة والمجتمع والاقتصاد بأدوات تقليدية، أو أن ننتظر «الإحلال الجيلي» حتى يتغير كل شيء. لا وقت لانتظار الوقت؛ فالتغيير قادم.
الحركات والتيارات الاجتماعية الجديدة تعكس هذا التحول: من الهياكل المغلقة إلى الشبكات، ومن الخطاب العام إلى البيانات، ومن ادعاء تمثيل المجتمع إلى إشراكه وقياس احتياجاته، ومن القرارات الانطباعية إلى البيانات الضخمة وتصنيفها وتحليلها لإنتاج شفافية رقمية حقيقية، ومساءلة قابلة للقياس، وعدالة ونزاهة يمكن التحقق منهما.
لذلك، فإن التحديث الحقيقي لا يبدأ بإضافة مؤشر جديد إلى قائمة المؤشرات، بل ببناء بنية وطنية للبيانات المفتوحة والمصنفة والقابلة للتحليل والمقارنة.
ففي عصر الذكاء الاصطناعي، من لا يملك بياناته لا يملك قراره؛ ومن لا يستطيع قياس واقعه، لن يستطيع إدارة مستقبله.







