تكشف بنية الاقتصاد الأردني معضلة تتجاوز الأرقام: نحو 77.5% من الناتج المحلي يأتي من الاستهلاك الأسري، مقابل 20.5% للاستثمار.
صحيح أن الاستهلاك يحرك النمو سريعاً، لكن الاعتماد المفرط عليه يجعل النمو هشاً، ويضع الأسر والدولة أمام ضغوط متزايدة، بينما يبقى الاستثمار والإنتاج والتصدير دون المستوى المطلوب.
المشكلة إذن ليست في الاستهلاك بحد ذاته، بل في غياب التوازن بين الاستهلاك والإنتاج.
فالتنمية المستدامة تعني الانتقال من اقتصاد يستهلك أكثر مما ينتج إلى اقتصاد يولّد قيمة مضافة وفرص عمل وصادرات، عبر الصناعة والزراعة والسياحة والخدمات الرقمية والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي والطاقة والاقتصاد الإبداعي.
وهنا تتجاوز المسألة الحكومة والاقتصاد إلى المجتمع والسياسة.
فالحركات الاجتماعية والتيارات الديمقراطية تستطيع أن تؤدي دوراً حاسماً في كبح السياسات قصيرة الأجل، ومساءلة الحكومات حول الإنفاق والاستثمار والعدالة الاقتصادية، والضغط باتجاه سياسات إنتاجية لا تكتفي بزيادة القوة الشرائية مؤقتاً.
المطلوب ليس استهلاكاً أقل، بل إنتاجاً أكثر؛ وليس إنفاقاً حكومياً أكبر، بل استثماراً أذكى؛ وليس مواطناً مستهلكاً، بل مواطناً منتجاً وشريكاً ومراقباً.
فجوهر التحديث الاقتصادي ليس رفع معدل النمو فقط، وإنما تغيير نموذج النمو نفسه: من اقتصاد الطلب والاستهلاك إلى اقتصاد الإنتاج والمعرفة والابتكار والتصدير.
وهنا تصبح الحركات الاجتماعية والتيارات الديمقراطية جزءاً من الحل، لا مجرد أدوات للاحتجاج على نتائجه.







