لا يمكن الحديث عن مسارات التحديث السياسي أو تعزيز النزاهة في الأردن دون التوقف ملياً عند "أزمة النقد" التي تعيشها الساحة العامة اليوم. إننا أمام مفارقة مؤسفة فبينما نطمح إلى عصر الشفافية نجد أنفسنا عالقين بين فكي كماشة: نصوص قانونية فضفاضة في قانون الجرائم الإلكترونية تساءل النوايا وتجرم النقد وبين ظاهرة "الإعلام الموازي" الذي يفتقر إلى المهنية حيث تستنزف الموارد المالية في غير موضعها لتقديم صور نمطية للمسؤولين وتهميش كل من يسعى لممارسة النقد البناء.
إن اللجوء إلى القضاء كأداة لترهيب أصحاب الرأي وتوظيف عبارات قانونية تحمل في طياتها "مطاطية" غير مبررة لا يخدم هيبة الدولة ولا يعزز استقرارها. فالمسؤول الذي يهرع إلى المحاكم بموجب قانون الجرائم الإلكترونية لمجرد أنه تلقى نقداً لأدائه العام لا يقدم دليلاً على قوته بل يعترف بضعف حجته. إن النتيجة المعتادة لهذه القضايا والتي تنتهي بقرارات "عدم المسؤولية" تكشف لنا حجم الهدر في الوقت والجهد القضائي وتثبت أن هذه المحاكمات تضع الكاتب والمواطن في دائرة الاستنزاف بدلاً من أن تكون وسيلة لتقويم الأداء.
بالمقابل لا يمكننا فصل المشهد عن ظاهرة استباحة المال العام لتمويل حملات العلاقات العامة التي تفتقد للمصداقية. إنه لأمر يستوجب الوقوف عنده أن تُصرف مبالغ طائلة من أجل الترويج لصور غير مطابقة للواقع. إن هذه الممارسات ليست أقل خطورة على مسيرة الإصلاح فهي تغتال الوعي العام وتغيب الحقيقة وتجعل من الممارسة السياسية بضاعة تُدار في مساحات رمادية بينما تُترك القضايا العامة الجوهرية نهباً للتجاهل.
إنني ومن هذا المنبر أوجه نداءً وطنياً إلى مجلس النواب بيت التشريع بضرورة وضع هذا الملف على رأس أولوياتهم. لا بد من مراجعة جادة لنصوص قانون الجرائم الإلكترونية ليكون نصاً يحمي النزاهة ويضبط الإساءة الحقيقية لا نصاً يمتد ليشمل النقد العام والمساءلة السياسية. كما أطالب السلطات الرقابية بضرورة تفعيل دورها تجاه حملات التضليل الممنهجة وأن تتحقق من مصادر تمويلها والجهات التي تتبناها.
إن النقد هو صمام الأمان الوحيد في الدول التي تنشد الرفعة. إننا بحاجة إلى سلطة تحترم الكلمة الصادقة لا إلى سلطة تخشى النقد ونحتاج إلى مسؤولٍ يرى في الرأي الآخر مرآة لإصلاح خلله. الوطن يبنى بالنقد الشريف والشفافية المطلقة، لا بالممارسات التي تصمم لتقييد فكر الأحرار ولا بالبرو باغندا التي تجافي الواقع.




