في كل مرحلة من مراحل الدولة، يتكرر السؤال ذاته، لكن قلّة فقط تجرؤ على طرحه بصوت مرتفع: من هم كبار البلد حقًا؟
هل هم أصحاب الموكب؟ أم أصحاب الألقاب؟ أم أولئك الذين تسبق أسماؤهم عشرات المسميات البروتوكولية؟ وهل الكرسي وحده يصنع الهيبة، أم أن الهيبة تصنعها النزاهة والإنجاز؟
لقد اعتدنا أن نمنح صفة "كبار البلد” لكل من اعتلى منصبًا رفيعًا، حتى أصبح اللقب يُوزَّع أكثر مما يُستحق، وأصبح احترام المنصب يختلط باحترام صاحبه، مع أن بين الاثنين مسافةً قد تكون شاسعة.
فالكرسي لا يمنح صاحبه صكًا بالوطنية، كما أن اللقب لا يمنحه شهادةً في النزاهة ، والتاريخ لا يتذكر عدد السنوات التي قضاها المسؤول في منصبه، بل يتذكر ماذا فعل خلال تلك السنوات، وماذا ترك خلفه عندما غادر.
كم من مسؤول مرَّ على موقعه وكأنه لم يكن، وكم من آخر ترك مؤسسة مثقلة بالديون، أو إدارةً أنهكها الترهل، أو قراراتٍ دفعت ثمنها جيوب المواطنين ، وكم من أصحاب المناصب من اعتقدوا أن السلطة امتياز شخصي، وأن النفوذ وسيلة لتوزيع المكاسب، حتى أصبحت مفاهيم مثل تضارب المصالح والمحسوبية والواسطة تتردد في الشارع أكثر مما تتردد كلمات الإصلاح والإنجاز.
وحين يغيب مبدأ المساءلة، يظن البعض أن الكرسي حصنٌ لا يُقترب منه، وأن المنصب يمنح صاحبه حصانةً من النقد، بينما الحقيقة أن المسؤولية العامة ليست تشريفًا، بل أمانة يُسأل عنها صاحبها أمام وطنه، وأمام التاريخ، وأمام ضميره.
كبار البلد ليسوا من يتصدرون الصفوف، بل من يحملون الوطن على أكتافهم دون ضجيج.
هم رجال الأمن والقوات المسلحة والأجهزة الامنية المختصة الذين يسهرون ليبقى الناس آمنين.
وهم المعلم الذي يبني العقول بصمت، رغم أن راتبه لا يوازي حجم رسالته.
وهم الطبيب والمهندس والمحامي والمهني والعامل الذي يبدأ يومه قبل شروق الشمس، وموظف النظافة الذي يمنح المدينة وجهها الحضاري، والمزارع الذي يحرس أمننا الغذائي، وسائق الحافلة وسيارة الأجرة الذي يعود إلى بيته آخر النهار وقد انتصر على مشقة الحياة بعرق جبينه.
وكبار البلد هم أصحاب المصانع الوطنية الذين يصرون على الإنتاج رغم التحديات، ويؤمنون بأن الصناعة ليست تجارة فحسب، بل سيادة اقتصادية، وفرصة عمل، ورسالة انتماء.
وكبار البلد هم الأب الذي لم يساوم على لقمة أبنائه، والأم التي ربّت على القيم قبل الشهادات، وكل مواطن شريف رفض أن يبيع ضميره أو يستغل نفوذه أو يمد يده إلى المال العام.
أما أولئك الذين غادروا مناصبهم وقد أثقلوا كاهل الدولة، أو جعلوا من السلطة وسيلةً للمنافع الشخصية، أو غلبوا المصالح الضيقة على المصلحة الوطنية، فلن تصنع لهم الألقاب مجدًا، ولن تمنحهم الكراسي احترامًا دائمًا، لأن ذاكرة الشعوب قد تصبر، لكنها لا تنسى.
إن قوة الدولة لا تُقاس بعدد أصحاب المعالي والعطوفة، بل بعدد أصحاب الضمائر الحية ، ولا تُبنى الأوطان بخطابات المديح، وإنما بالقرار الشجاع، والإدارة الكفؤة، والمحاسبة العادلة التي لا تفرق بين مسؤول ومواطن.
ويبقى السؤال الذي يستحق أن يُطرح في كل مناسبة: هل نريد كبارًا يصنعهم المنصب، أم رجال دولة يصنعون المنصب؟
فالكرسي يبقى في مكانه، لكن من يجلس عليه إما أن يرفعه بعمله، أو يسقط معه في ذاكرة الناس.
وفي النهاية، سيظل كبار البلد الحقيقيون أولئك الذين إذا ذُكر الوطن، ذُكرت أسماؤهم باحترام، لا لأنهم كانوا أصحاب سلطة، بل لأنهم كانوا أصحاب ضمير، وحين غادروا مواقعهم، تركوا وطنًا أقوى، ومؤسساتٍ أنقى، وقلوبًا تدعو لهم لا عليهم.